د. يوسف صيدانـي
حاول الصبي جهده أن لا ينام، ولكن النّعاس تملَّكه فأغمض عينيه. أحسَّ بالفرح لأن أمه وعدته أن توقظه لتناول السحور بعدما اشتدَّ إصراره واستجابت لطلباته المتكررة بأنْ يصوم يوماً بالكامل من الفجر إلى المغيب. لم يعُدْ يكفيه صيام جزء من النَّهار من الصبح الى الظهر كما كانت تُعوّده أمه. «صُمِ النهار على دفعتين» كانت تُلحُّ عليه، «تغذَّى عند الظهر، ثم أكمِل صيامك إلى المغرب».
«كيف يمكن أن يصحّ ذلك؟» يسألها متعجّباً. «سيقوم جَدُّك بِوَصْلْ الصيام» تُداعبه أمه مبتسمة. يرضح لها على مضض.
كان ذلك فيما مضى، لكنه لم يعد ذلك الطفل الصغير. يُخبر أمه بكل تودد وثقة، «أصبحت في التاسعة من عمري». نجح في إقناعها. أحس بنشوة الإنتصار وبكثير من الفرح عندما أيقظته بلُطف لتناول طعام السحور. استفاق ليجد شقيقته وقد سبقته. مضى وقت السحور بسرعة مع الكثير من الفرح والمزاح. أحس بالضحكات تخترق ظلام الليل. أدَّى صلاة الفجر مع والديه وشقيقته، ثم غفا.
كاد أن يستسلم عندما أحسَّ بالعطش وقت الظهيرة، لكنّ أمه منعته. «رمضان شهر الصبر يا حبيبي. أشغل نفسك باللعب… أدر التلفاز.» لسبب لم يعلمه، لم يجد في نفسه الرغبة في متابعة أفلام الكرتون. أنصت بإهتمام إلى برنامج عن فضائل الصيام تحت عنوان «أيام رمضان» يتكلم فيه أحدهم راوياً الحديث النّبوي: «للصائم فرحتان: فرحة حين يفطر، وفرحة حين يلقى ربه.»
هو يعرف هذا الحديث جيداً إذ حفظه في المَدْرسة وطالما سمع مُعَلِّمَته تُكَرِّره وتشرحه. هو الآن لايسمع الحديث، بل هو يعيشه. ما لهذا الفرح المرتبط برمضان؟ وكأنَّ فرح الشهور الإحدى عشر الأخرى في كَفَّة، وفرح رمضان في كَفَّة أخرى. أسرع الصغير نحو أمه سائلاً عن الفرح في رمضان! أليس هذا الشهر هو شهر الإمتناع عن الطعام والشراب والإكثار من العبادات. فكيف يكون الفرح مع الحرمان والتّعب؟
لم يستغرب من جوابها، فرمضان شهر الفرح بالطاعة، والفرح بالعطاء، والفرح بالصيام، والفرح بالإفطار. هو فرح الصِلة مع الله والتقرّب إليه، هو فرح الإيثار، هو فرح المغفرة والتسامح، هو فرح القلوب المتلاقية، هو فرح النفوس التواقة إلى الله، هو فرح الأرواح المُتعبة بشجون الحياة والسعيدة بالتواصل مع الله، هو فرح أن تطيع من تحب.
لم يفقه بعضاً مما قالته له أمه، ولكنّه أحسَّ بفرحٍ غامر لم يستطع تفسيره. كيف يجتمع الفرح مع الجوع والعطش والحرمان؟ أحَسَّ الصغير بِسَكِينةٍ عجيبة تخامر جسمه المتعب. أغفى عينيه قليلاً قبل أن يستيقظ للصلاة مُجدداً. أحسَّ بطعم الصلاة لطيفاً مع حركاته البطيئة. بعد الفريضة، تلا بعضاً من الأدعية التي طالما سمعها من والده: «اللهمَّ اجعلني أخشاك حتّى كأني أراك، وأَسْعِدني بِتَقْواك. اللَّهمَّ إِنِّي أَسْأَلُكَ حُبَّكَ، وَحُبَّ مَنْ يُحِبُّكَ، وَالعمَل الَّذِي يُبَلِّغُني حُبَّكَ، اللَّهُمَّ اجْعل حُبَّكَ أَحَبَّ إِلَيَّ مِن نَفسي، وأَهْلي، ومِن الماءِ البارِدِ على الظمأ، اللهم حَبِّبني إليك.»
مع اقتراب المغيب، جلس على مقعده بجوار والده على طاولة الإفطار. كل العائلة تحتفل بيوم صيامه الأول، فهذا ليس يوم صيام عادي على العائلة. وعده والده أن يحمله على ظهره ويجول في أرجاء المنزل احتفالاً بيوم الصيام الأول. أحس بالكثير من الحب والكثير من الفرح وهو ينتظر الصعود على ظهر والده والاستمتاع بعناقه.
غربت الشمس وأُذِّن لصلاة المغرب. وضع كأس الماء على شفتيه، أحس بالسعادة تلف كيانه. «للصائم فرحتان»، تذكّر الصغير الحديث جيداً. عاش فرحة الفطر بعد صيام يوم كامل لأول مرَّة، سمع دعاء أمه «اللهم لك صمتُ. اللهمَّ أمرتنا بالصيام فصمنا، وأمرتنا بالفطر ففطرنا، نفرح بطاعتك، ونسعد بلقائك.» فهم الصغير أخيراً كيف يجتمع الإمتناع عن الطعام والشراب مع الكثير من الحب والفرح.
في نهاية ذلك اليوم الطويل، استلقى الصغير على سريره، فرحاً بيوم صيامه الأول. طبعت أمه قبلة حارة على جبينه، وهمست في أذنه: «هل أنت مسرور؟» لم يجبها، لكن ابتسامته كانت أبلغ من أي كلام. أكملت قائلة: «أنت الآن مسرور وسعيد بصيامك وفطرك لليوم الأول. تخيَّل الآن كم ستكون سعادتك وفرحك حين تعلم أن الله تَقَبَّل صيامك وأنّه يحبك.»
ابتسم مجدداً وأغمض عينيه قائلاً في سرِّه: «أحبك يا الله. أحبك يا الله.»
The post يوم الصيام الأوّل appeared first on جريدة الشرق اللبنانية الإلكترونيّة – El-Shark Lebanese Newspaper.


