هل اصبح الانقسام في ليبيا واقعًا محتومًا
Spread the love

لم تعد وحدة الامة الليبية شعارًا يُلهم الآمال، بل اصبح غلافًا هشًّا من ورق ينهشه الواقع يومًا بعد يوم. و لم يعد الحديث عن الانقسام في ليبيا مجرّد افتراض سياسي يلوّح به الغاضبون. بل أصبح واقعًا يلوح في الأفق، بعد أن تحوّل خطاب الإقصاء من سلوكٍ رسميّ متجذّر في مؤسسات الدولة إلى خطاب شعبي علني,  وهنا تكمن الخطورة لأن الدولة يمكن أن تُصلَح بقوانين، لكن حين تتجذر الكراهية في المجتمع نفسه، يصبح التعايش شبه مستحيل.

ما يجري اليوم ليس خلافًا سياسيًا بين حكومتين واحدة في الغرب و حكومة اخرى في الشرق و الجنوب ، بل صراع وجودي امام المجتمع الطرابلسي نفسه، الذي تبنى خطاب الإقصاء والتقليل من شأن أبناء الشرق والجنوب، حتى صار السباب والتمييز الجهوي جزءًا من لغة جيل اليوم. وهنا، يصبح السؤال ليس: هل ستنقسم ليبيا؟ بل: متى ستنقسم؟

منذ الاستقلال، ظلّت السلطة محصورة في طرابلس: القرار السياسي، الثروة النفطية، التمثيل الخارجي، مؤسسات السيادة. أمّا الشرق والجنوب فكان نصيبهما التهميش في التنمية، وغياب الخدمات، وانعدام التوازن في توزيع المناصب. هذا خلق شعورًا بالغبن لدى برقة وفزان بأنهما مجرد “توابع” تُستغل ثرواتهما دون أن يعود لهما نصيب عادل منها, هذا الاحتكارالمختل للسلطة التنفيذية بدواوينها زرعت بذور الانفصال في النفوس.

لكن ما زاد الجرح عمقًا أن هذا الإقصاء لم يعد فقط سياسة حكومية أو إدارية، بل اضحى ثقافة شعبية في اقليم طرابلس بعد ان تحوّل إلى خطاب يومي في الشارع الطرابلسي، خاصة بين فئة الشباب. فابن الشرق يُختزل في لقب “شرقاوي” أو بنِسَبوا لقبائلهم بدل مدنهم او مناطقهم في سياق تهكمي لتقليل من وطنيتهم الليبية و حقوق مواطنتهم بينما يُختزل ابن الجنوب في وصفهم  بالعبيدات او  “سبهاوية” في احسن الظروف في دلالة على النظرة الاستعلائية التي ترى في الآخر غريبًا، أو على الأقل مواطنًا من درجة ثانية.

هذا الخطاب ليس مجرد كلمات عابرة؛ إنه يعكس ثقافة استبعاد متجذرة في الوعي الشعبي، تشرعن الهيمنة وتحوّلها من ممارسة سياسية إلى قناعة اجتماعية. الأخطر من ذلك أن هذه الثقافة تُغذيها مواقع التواصل الاجتماعي، حيث يتبادل الشباب السباب والنعوت الجهوية بشكل يومي، مما يضاعف الإحساس بالاغتراب عند أبناء الشرق والجنوب.

الإعلام ومنصات التواصل صارت مصانع لإعادة إنتاج الخطاب الجهوي, فقد تحولت  صفحات الفيسبوك إلى ساحات سباب يومية ضد “الشرقاوي” و”السبهاوي”. هكذا يُرسخ الشارع في طرابلس صورة المواطن من خارج اقليم طرابلس كغريب أو دخيل، مواطن من الدرجة الثانية.

الوحدة التي لطالما تباهت بها الشعارات السياسية، تتهاوى اليوم أمام هذا الواقع الذي لا يمكننا نكرانه. فالوحدة لا تُقاس بوجود علم واحد أو نشيد واحد، بل بمدى شعور المواطن في أي إقليم بأن حقوقه مصونة وكرامته محترمة. وعندما يتحوّل الوطن إلى جغرافيا تُقسّمها النعوت الجهوية، فإننا أمام تفكك وجداني يسبق التفكك السياسي

حين يُقصى المواطن مرتين: مرة من الدولة ومؤسساتها، ومرة من مجتمعه عبر خطابٍ شعبي جارح، عندما تُهدر الحقوق عبر الدولة، وتُغتال الكرامة عبرالشريك في الهوية الجامعة،

يصبح خيار الانفصال أو تقرير المصير مطلبًا وجوديًا برقة وفزان وجدتا نفسيهم في مفترق طريق ام الاستمرار في هذا الاتحاد المهين او ان تختار الطريق الوحيد المتاح لصون كرامتهما وهويتهما. الانفصال ليس نزوة سياسية، بل دفاع عن النفس ضد وطن لم يعد يتسع للجميع.

اليوم، أمام ليبيا طريقان لا ثالث لهما:

1.      اولاً إصلاح عميق

يبدأ بمواجهة الحقيقة هو ان استمرار العاصمة في اقليم طرابلس اصبح يهدد وجود الامة الليبية و ان تحل محلها عاصمة جديدة في وسط ليبيا في منطقة او مدينة في وسط البلاد تجمع النسيج الاجتماعي بين هوية برقة, و ثقافة طرابلس و اصالة فزان وتجريم نعوت الإقصاء ، مع إعادة توزيع السلطة والثروة على أساس عادل بين الأقاليم الثلاثة. وهذا يعني عقد اجتماعي جديد بصيغة واضحة يُبنى على الشراكة لا على التبعية.

تعريف المواطنة: مواطنة متساوية لا تُنتقص بالمنطقة أو القبيلة.

تقسيم السلطة: قائمة صلاحياتٍ إقليمية محصّنة دستورياً، لا تُردّ بقرارٍ مركزي.

تقاسم الثروة: معادلة مكتوبة، قابلة للقياس والمراجعة السنوية، تحت رقابة قضائية مستقلة.

مجلس شيوخ بحقّ نقضٍ مقيّد في قضايا الثروة والحرب والسلم.

محكمة دستورية مُحايدة مقرّها خارج العاصمة، وتشكيلها بالتوافق الإقليمي.

هيئات رقابة مالية موزّعة جغرافياً، مع منصّة بياناتٍ علنية للعقود والجبايات والإنفاق.

تجريم الخطاب الجهوي المُهين في الإعلام والمنابر، والتزام مؤسسات الدولة بخطابٍ جامع.

إدماج تاريخ برقة وفزان في المناهج، بوصفهما مكوّنَي أصلٍ لا أقاليم ملحقة.

لامركزية الإنفاق على التعليم والصحة والبنية في الأقاليم.

صناديق تنمية إقليمية بإدارة محلية ورقابة اتحادية.

مزايا تحفيزية للمستثمرين في برقة و فزان، تعويضاً عن فجوة البنية.

2.      ثانيا الانفصال المنظّم

وهو الخيار الذي يلوح في الأفق. وفيه يجب ان يكون هنالك عقد اجتماعي قبل الاتفاقيات الدولية يحفظ الود بين دول الجوار و يبني الروابط الاجتماعي بين الشعبين و يرسم حدود واضحة تحفظ بالسلم الاجتماعي و ليست بالمدافع, و يحتفظ كل اقليم بثرواته و لكي يتحقق الانفصال دةن حروب نحتاج الي الاتفاق على العديد من القضايا المصيرية منها:

الاقتصاد والعملة: كيف تُقسم الديون والاحتياطيات؟ ما أثر الانقسام في سلاسل الإمداد والمصارف؟

النفط والغاز: الملكية، الحقول المشتركة، تشغيل الموانئ وخطوط النقل، عقود الشركات.

الأمن والحدود: ضبط الصحراء والمعابر، مكافحة التهريب والهجرة، علاقات الجوار.

المياه والبنية العابرة: النهر الصناعيّ، طرق العبور، الشبكات الكهربائية.

الاعتراف الدولي: كلفة بناء أجهزة دولة جديدة، وتحصيل شرعية المعاهدات والمقاعد الدولية.

هذه ليست محاذيرً لإسكات المطلب، بل متطلبات لإنجاحه إن وقع،الوحدة لا تُفرض، ولا تُصان بالشعارات.

التاريخ

عن الكاتب

المزيد من
المقالات