Bridging Australia and the Arab World

Monday, 26 October 2026
مثل «بيبي»… «أبو مازن» يريد انقاذ مستقبله!
Spread the love

بقلم خيرالله خيرالله

هناك كلام جميل عن عقد لقاء قريب بين رئيس السلطة الوطنيّة الفلسطينية محمود عباس (أبو مازن) ورئيس المكتب السياسي لحركة «حماس» إسماعيل هنيّة. يستهدف اللقاء البحث في تشكيل حكومة وحدة وطنيّة. فات أوان مثل هذه الحكومة لسبب في غاية البساطة يعود إلى أن الشعب الفلسطيني الذي يقاوم الاحتلال في الضفّة الغربيّة صار في مكان آخر.

تقاوم مجموعات فلسطينية الإحتلال في ضوء غياب أي افق سياسي أمام فلسطينيي الضفّة الغربيّة. لم تترك إسرائيل امام هؤلاء من خيار غير الإستسلام للإحتلال المستمر منذ العام 1967. جعلتهم  فئة من الناس لم يعد لديهم ما تخسره. يعني ذلك، بكلّ بساطة، أن إسرائيل لا يمكن إلّا أن تخرج خاسرة من المواجهة. يعود الأمر إلى أن أسوأ من يمكن أن يحدث لشخص أو لمجموعة، وحتّى لدولة قويّة، يتمثّل في التعاطي مع طرف ليس لديه ما يخسره. نزعت إسرائيل كلّ أمل بمستقبل أفضل امام الشباب الفلسطيني في الضفة الغربيّة. لم تترك امامه سوى خيار واحد، هو خيار حمل السلاح.

من هنا، ليس مستبعدا، في ضوء الأزمة الداخلية العميقة في إسرائيل، توسع المواجهات في الضفّة وخارج الضفّة بعدما تخلّت إسرائيل عن السياسة وباتت تعتقد الشيخ روبير بولس وداعاً

أنّ القوة تحلّ كلّ المشاكل المطروحة امامها في الضفّة الغربيّة التي تعتبرها «ارضا متنازعا عليها» تسعى إلى وضع اليد عليها.

سيقتل الجيش الإسرائيلي مزيدا من الفلسطينيين تشكلت حكومة وحدة وطنيّة أم لم تتشكّل. ليس مستبعدا توسّع المواجهات، لكنّ ذلك لن يأتي بالهدوء للضفّة الغربيّة ولن يبقى الاحتلال مهما طال الزمن. يعود الأمر إلى أن المعادلة في غاية البساطة، وهي معادلة يعجز العقل اليميني الإسرائيلي الذي يتحكّم بحكومة بنيامين نتانياهو عن استيعابها. يختزل المعادلة وجود ما بين سبعة وثمانية ملايين فلسطيني بين البحر المتوسط ونهر الأردن. هناك ما يزيد على مليوني فلسطيني في داخل إسرائيل. هناك مليونا فلسطيني، في أقل تقدير، في قطاع غزّة. هناك نحو ثلاثة ملايين ونصف مليون فلسطيني في الضفّة الغربيّة. ليس طبيعيا في مواجهة هذا العدد الكبير من الفلسطينيين على ارض فلسطين استبعاد الحل السياسي والإستعاضة عنه بعقل بنيامين نتانياهو (بيبي) الذي لا يفكّر سوى بكيفية انقاذ مستقبله السياسي وتفادي دخول السجن كما حصل مع رئيس الوزراء السابق ايهود اولمرت.

خلاصة الأمر أنّ إسرائيل تبدو اكثر من أي وقت دولة مريضة فقدت كلّ قدرة على التعاطي السياسي مع مشاكل المنطقة. باختصار، باتت إسرائيل أسيرة عقل مريض يمثله يمين متعصب لا يشبه سوى العقل «الداعشي» الذي يتحكّم بتنظيمات مثل «حماس» أو «الجهاد الإسلامي» على علاقة قويّة وعميقة مع «الحرس الثوري» الإيراني.

كلّ ما تفعله إسرائيل في الوقت الحاضر أنّها وضعت نفسها في خدمة المشروع التوسّعي الإيراني الذي يستفيد إلى ابعد حدود من استمرار التوتر في الضفّة الغربيّة حيث الحاجة اكثر من أي وقت إلى العودة إلى السياسة. لا مفرّ من العودة إلى السياسة على الرغم من غياب السلطة الوطنيّة الفلسطينية التي ليس لديها ما تقوم به غير التهديد والوعيد، علما أنّ رئيسها يعرف قبل غيره أنّه لا يستطيع الخروج من بيته من دوت إذن إسرائيلي… ولا يستطيع عقد لقاء مع إسماعيل هنيّة من دون إذن إسرائيلي.

نعم، وضعت إسرائيل نفسها في خدمة المشروع التوسعي الإيراني في المنطقة. عندما تسدّ كلّ أبواب الحل السياسي مع الفلسطينيين، فهي تسدّ في الوقت ذاته كلّ الأبواب امام التعاون على الصعيد الإقليمي لمواجهة التوسّع الإيراني الذي قضى على سوريا والعراق ولبنان والذي ليس مستبعدا ان يقضي أيضا على اليمن.

تكشف احداث الضفّة الغربيّة، وهي احداث في غاية الخطورة نظرا إلى احتمال توسعها، أن القضيّة الفلسطينيّة ما زالت حيّة ترزق. اكثر من ذلك، إنّ حل الدولتين لا يزال الخيار الوحيد من أجل ضمان الاستقرار في المنطقة وذلك على الرغم من حال الإفلاس التي تعاني منها السلطة الوطنيّة… وعلى الرغم من انكشاف لعبة «حماس» التي تسعى إلى خلافة السلطة الوطنيّة في الضفّة الغربيّة، على غرار ما فعلته في غزّة، بالتواطؤ مع إسرائيل.

يظلّ اخطر ما في الأمر ذلك الغياب الأميركي عن الحدث الفلسطيني، وهو غياب لا مبرّر له. في النهاية، ما زالت الإدارات الأميركيّة تتجاهل القضيّة الفلسطينيّة منذ صيف العام 2000  بعد فشل قمة كامب ديفيد بين الرئيس كلينتون وياسر عرفات وايهود باراك (رئيس الوزراء الإسرائيلي وقتذاك). ما زال الفلسطينيون يدفعون ثمن فشل تلك القمة التي تلاها عسكرة للإنتفاضة التي تسبب بها ذهاب ارييل شارون إلى حرم المسجد الأقصى.

ينسف ما يحصل هذه الأيّام كلّ الجهود التي بذلتها اطراف عربيّة من أجل إيجاد وضع طبيعي في المنطقة يزول فيه الاحتلال الإسرائيلي ويحصل نوع من التعاون يخدم الاستقرار. في النهاية، ما الذي تريده إسرائيل وهل في الإمكان إعادة لغة المنطق إلى المجتمع الإسرائيلي الذي يعاني من امراض يبدو أن لا شفاء له منها؟ يكفي النظر في تركيبة الحكومة الإسرائيلية الحالية، التي قت على استقلال القضاء، للتأكد من أنّها حكومة ترفض الديموقراطية في إسرائيل نفسها وتؤمن بالإحتلال وترفض الإعتراف بوجود شعب فلسطيني موجود على الخريطة السياسيّة للمنطقة أكثر من أي وقت.

اذا اخذنا في الإعتبار أنّ همّ «بيبي» نتانياهو محصور في انقاذ مستقبله السياسي ولا شيء آخر غير ذلك، يبدو همّ «ابومازن» انقاذ مستقبله السياسي على الرغم من بلوغه الـ88 من العمر. أمّا إسماعيل هنيّة، فإن هدفه من تشكيل حكومة وحدة وطنية فهو خلافة «حماس» للسلطة الوطنيّة في الضفة الغربيّة على غرار ما فعلت في غزّة لا اكثر ولا أقل.

The post مثل «بيبي»… «أبو مازن» يريد انقاذ مستقبله! appeared first on جريدة الشرق اللبنانية الإلكترونيّة – El-Shark Lebanese Newspaper.

عن الكاتب

المزيد من المقالات

التاريخ