Reading in العربية (Arabic) | Read in English
في السياسة، لا يُقاس عمق الأزمات بعدد المبادرات المطروحة لحلها، بل بعدد المبادرات التي تفشل في الوصول إلى نهايتها. ومن هذه الزاوية تحديداً تبدو الحالة الليبية واحدة من أكثر الحالات تعبيراً عن مفارقات الصراعات المعاصرة؛ فكلما ازدادت المبادرات السياسية، ازداد الشعور بأن الحل يبتعد أكثر فأكثر.
خلال السنوات الماضية تحولت ليبيا إلى ما يشبه مختبراً مفتوحاً للمبادرات السياسية. مبعوثون أمميون تعاقبوا على إدارة الملف، مؤتمرات دولية انعقدت في عواصم مختلفة، اتفاقات وُقّعت ثم تعطلت، وحوارات أُطلقت تحت عناوين متعددة. واليوم تجد البلاد نفسها أمام ثلاث مبادرات متوازية تتنافس على قيادة المرحلة المقبلة، بينما يزداد المشهد تعقيداً وتزداد حالة الغموض بشأن مستقبل العملية السياسية.
للوهلة الأولى قد يبدو تعدد المبادرات مؤشراً إيجابياً يعكس اهتماماً محلياً ودولياً بإخراج ليبيا من أزمتها الممتدة. لكن قراءة أكثر عمقاً تكشف أن المشكلة ليست في غياب الحلول المقترحة، بل في طبيعة البيئة السياسية التي تُنتج هذه الحلول. فالمبادرات المتنافسة لا تعكس بالضرورة حيوية سياسية بقدر ما تعكس غياب مركز وطني موحد قادر على فرض رؤية جامعة لمستقبل الدولة.
إن الأزمة الليبية لم تعد منذ سنوات أزمة حكومة أو انتخابات أو حتى أزمة شرعية مؤسسات فحسب. لقد أصبحت أزمة تتعلق بطبيعة الدولة نفسها وبالسؤال المؤجل منذ عام 2011: كيف يمكن بناء سلطة وطنية جامعة في بلد تتقاطع فوق أرضه المصالح المحلية والإقليمية والدولية بصورة غير مسبوقة؟
هنا تحديداً يمكن فهم التنافس الحالي بين المبادرات الثلاث.
فالمبادرة الأممية تمثل استمراراً لفكرة إدارة الأزمة عبر الشرعية الدولية. وهي تستند إلى فرضية مفادها أن إعادة هندسة العملية السياسية من خلال حوار جديد أو حكومة جديدة أو تعديلات قانونية جديدة يمكن أن تفتح الطريق نحو الانتخابات ومن ثم نحو الاستقرار.
لكن المشكلة أن التجربة الليبية أثبتت أن المعضلة ليست إجرائية بالأساس. فالأزمة لا تكمن في نقص الحوارات ولا في غياب القوانين ولا في عدم وجود مؤسسات انتقالية. بل إن ليبيا ربما تمتلك من الاتفاقات السياسية والنصوص الدستورية المؤقتة والخرائط الانتقالية ما يكفي لأكثر من دولة.
ما ينقص هو التوافق الحقيقي حول طبيعة السلطة المقبلة وحول توزيع القوة والثروة والنفوذ بعد انتهاء المرحلة الانتقالية.
أما المبادرات أو الطروحات التي تتردد حول تحركات أميركية أو إقليمية، فإنها تعكس اتجاهاً مختلفاً يقوم على الواقعية السياسية أكثر من اعتماده على الشرعية الإجرائية. فجوهر هذه المقاربة لا يتمثل في إعادة تصميم العملية السياسية بقدر ما يتمثل في إعادة ترتيب موازين القوى القائمة على الأرض.
وبغض النظر عن صحة ما يتم تداوله بشأن تفاصيل هذه الطروحات، فإن مجرد انتشارها يعكس قناعة متزايدة لدى بعض الأطراف الدولية بأن الأزمة الليبية لم تعد تُدار عبر المؤسسات الرسمية فقط، وإنما عبر شبكات النفوذ ومراكز القوة الفعلية التي تشكلت خلال سنوات الانقسام.
وفي المقابل، تأتي مبادرة الرئاسات الثلاث باعتبارها محاولة لإعادة الإمساك بالملف من الداخل الليبي. وهي تنطلق من فكرة أن المؤسسات القائمة، رغم كل ما يحيط بها من جدل، لا تزال قادرة على إنتاج مسار سياسي جديد ينهي المراحل الانتقالية المتعاقبة.
غير أن هذه المقاربة تواجه بدورها معضلة أساسية. فالمؤسسات التي تسعى إلى قيادة عملية التغيير هي نفسها نتاج المرحلة الانتقالية التي يراد إنهاؤها. ومن هنا ينشأ التناقض بين الحاجة إلى الاستفادة من المؤسسات القائمة وبين الحاجة إلى تجاوز القيود التي فرضتها هذه المؤسسات على العملية السياسية طوال السنوات الماضية.
لكن ما يجمع هذه المبادرات الثلاث، رغم اختلاف منطلقاتها، أكبر مما يفرقها.
فجميعها تنطلق من فرضية ضمنية مفادها أن الأزمة الليبية يمكن حلها عبر تسوية بين النخب السياسية القائمة. وجميعها تركز على إعادة ترتيب العلاقة بين الفاعلين الحاليين أكثر مما تركز على إعادة بناء العلاقة بين الدولة والمجتمع.
وهذا هو جوهر المأزق الليبي.
لقد تحولت العملية السياسية تدريجياً من مشروع وطني لبناء الدولة إلى عملية مستمرة لإدارة توازنات القوى. وأصبح الهدف في كثير من الأحيان منع الانفجار أكثر من صناعة الاستقرار، والحفاظ على الحد الأدنى من التوافق أكثر من إنتاج تسوية تاريخية شاملة.
ولذلك فإن السؤال الذي يواجه ليبيا اليوم ليس أي المبادرات أكثر قابلية للحياة، بل ما إذا كانت المقاربة التي تقوم عليها هذه المبادرات قادرة أصلاً على إنتاج حل دائم.
فالتاريخ الحديث للصراعات يخبرنا أن الأزمات الطويلة لا تنتهي عندما تتفق النخب فقط، وإنما عندما تنشأ معادلة سياسية جديدة تجعل استمرار الصراع أكثر كلفة من إنهائه.
حتى الآن لم تصل ليبيا إلى هذه المرحلة.
لا تزال الأطراف المختلفة قادرة على التعايش مع حالة اللاسلم واللاحرب. ولا تزال القوى الإقليمية والدولية تجد في إدارة الأزمة مساحة أوسع للمناورة من الحسم النهائي. ولا تزال المؤسسات الانتقالية تمتلك من الحوافز ما يجعل بقاء الوضع القائم أقل خطورة بالنسبة لها من المغامرة بمستقبل سياسي مجهول.
ومن هنا يمكن فهم سبب تعثر معظم المبادرات السابقة، وربما سبب تعثر مبادرات الحاضر أيضاً.
فالانتخابات، رغم أهميتها، ليست حلاً سحرياً. والحكومة الموحدة ليست غاية بحد ذاتها. وتوحيد المؤسسات لا يمثل نهاية الطريق. فهذه جميعاً أدوات ضمن عملية سياسية أشمل، وليست بديلاً عنها.
أما إذا استمرت المقاربات الحالية في التعامل مع الأزمة الليبية باعتبارها مجرد خلاف بين سلطات متنافسة يمكن التوفيق بينها عبر تسويات مؤقتة، فإن النتيجة المرجحة ستكون إنتاج نسخة جديدة من المرحلة الانتقالية تحت اسم مختلف.
لقد وصلت ليبيا إلى لحظة تاريخية لم تعد تحتاج فيها إلى مبادرات جديدة بقدر حاجتها إلى مراجعة الفرضيات التي قامت عليها المبادرات السابقة. فبعد أكثر من عقد من التجارب المتكررة، لم يعد السؤال كيف ننتقل إلى المرحلة القادمة، بل لماذا فشلت كل المراحل السابقة في الوصول إلى الدولة؟
إن الخطر الحقيقي لا يكمن في فشل مبادرة بعينها، بل في ترسيخ الاعتقاد بأن الأزمة يمكن احتواؤها إلى ما لا نهاية دون تكلفة وطنية باهظة. فالدول لا تنهار عادة بسبب نقص الأفكار، وإنما بسبب العجز المستمر عن تحويل الأفكار إلى مؤسسات مستقرة وقواعد سياسية مقبولة من الجميع.
ولهذا تبدو ليبيا اليوم أمام مفارقة قاسية: لم يكن عدد المبادرات المطروحة لإنهاء أزمتها أكبر مما هو عليه الآن، ومع ذلك لم يكن الطريق نحو الحل النهائي أكثر ضبابية مما هو عليه اليوم.
إنها باختصار دولة تعاني من وفرة المبادرات وفقر الحلول.