
بقلم خيرالله خيرالله
كان مفيدا تمرير ما يزيد على شهر قبل إنعقاد القمة العربيّة الطارئة في الرياض. كان لا بدّ من أخذ كلّ الوقت الضروري من أجل تقويم الوضع الفريد من نوعه الذي تمرّ فيه المنطقة والتساؤل في شأن ما يمكن عمله، عربيّا، وما لا يمكن عمله في هذه المرحلة الإقليميّة البالغة الدقّة.
الأكيد أنّ القمة ستكون بعيدة عن الشعارات والمزايدات التي لا تعني شيئا في أيّامنا هذه. لا تعني الشعارات والمزايدات شيئا في ضوء الأحداث المتسارعة التي بدأت مع الهجوم الذي شنته «حماس» على غلاف غزّة وما تبع ذلك من رد فعل إسرائيلي، أقلّ ما يمكن أن يوصف به، بأنّه نوع من الجنون الذي لا سابق له في عالمنا…
لا سابق لما تقوم به إسرائيل، إلّا إذا استثنينا ما فعله النظام السوري بالسوريين أو «الخمير الحمر» في كمبوديا. صار النظام السوري مدرسة في الوحشيّة. طورت إسرائيل، ذات التاريخ القديم في ارتكاب المجازر والتهجير، آساليب النظام السوري في غزّة. وهي اساليب تعلّم منها فلاديمير بوتين في تعامله مع الجار الأوكراني أيضا!
تمارس إسرائيل في غزّة إرهاب الدولة. زادت الوحشية التي تمارسها الوضع الإقليمي تعقيدا. بات مرجحا سعي القمّة العربية إلى هدنة إنسانيّة تسمح لأهل غزّة من ضحايا «حماس» وإسرائيل بالتقاط انفاسهم. توجد حاجة إلى هدنة بغية تمرير المساعدات الإنسانيّة للغزاويين الذين تريد إسرآئيل تهجيرهم من القطاع في سياق خطة تستهدف تصفية القضيّة الفلسطينية. لا يمكن وصف هذه الخطوة سوى بأنّها مستحيلة وغير قابلة للتطبيقنظرا إلى أن القضيّة الفلسطينية قضيّة شعب مظلوم أولا وأخيرا… وليست قضيّة «حماس».
سيكون طبيعيا حضور رئيس النظام السوري بشّار الأسد القمة واستغلاله الفرصة من أجل القاء دروس في الوطنيّة وإثبات أنّه كان على حقّ في حربه المستمرة منذ آذار – مارس 2011 على الشعب السوري بحجة أنّه «يحارب الإرهاب». سيكون طبيعيا أكثر إعتماد القمّة العربيّة التعقّل والعقلانيّة عن طريق البدء، بالتفاهم مع الإدارة الأميركية والأوروبيين، بفرض وقف لإطلاق النار تمهيدا للبحث في حل سياسي شامل لا يتناول غزّة فحسب، بل الضفّة الغربية والقدس الشرقيّة أوّلا.
لا يمكن أن يكون لحركة مثل «حماس» مستقبل سياسي لا في الضفّة الغربيّة ولا في غزّة نفسها حيث أقامت منذ منتصف العام 2007، بعد الإنقلاب الذي نفذته على السلطة الوطنيّة الفلسطينية و»فتح»، «أمارة إسلاميّة». في المقابل لن تتمكّن إسرائيل، مهما فعلت، من إجتثاث «حماس» بغض النظر عن الممارسات التي لجأت إليها والتي كان يجب أن تكون موضع إدانة عربيّة منذ فترة طويلة. ستبقى «حماس» موجودة فكريا بصفة كونها جزءا من تنظيم الإخوان المسلمين في هذه العوالم العربيّة القائمة من جهة وفي ضوء هبوط مستوى التعليم والثقافة على الصعيد العربي، عموما، من جهة أخرى.
يبقى امران في غاية الأهمّية لا تستطيع القمة الهرب منهما. أوّل هذين الأمرين مستقبل غزّة وكيف المساعدة في قيام الدولة الفلسطينية المستقلة وما الضمانات التي تجعل من هذه الدولة دولة مسالمة. يتمثّل الأمر الآخر في كيفية التعاطي مع إسرائيل التي لم تعد إسرائيل التي عرفناها. تغيّرت إسرائيل كلّيا. لا مستقبل للدولة العبريّة في غياب التخلي عن بنيامين نتانياهو بكلّ ما يمثله من عقل سياسي يؤمن بالإحتلال والإستيطان. هذا العقل السياسي لـ»بيبي» صار جزءا من الماضي. قضت عليه «حماس»، شئنا أم أبينا، بشنها هجوم السابع من تشرين الأوّل – أكتوبر 2023. مثل هذا العقل السياسي الحمساوي لا يمكن أن ينتصر، مثلما لا يمكن للعقل السياسي لنتانياهو الإنتصار. يعود ذلك إلى أن إلتقاء تطرفين لا يمكن أن يصنع أي إيجابيّة من أي نوع، خصوصا في مجال إحقاق السلام وتثبيته، لا على أرض فلسطين ولا خارجها.
فوق ذلك كلّه، سيكون أمام القمّة العربيّة تحدّ آخر في حجم ذلك الذي يمثله التطرّف الإسرائيلي. إسم هذا التحدي المشروع التوسّعي الإيراني الذي عرف كيف يستغلّ «حماس» وكيف العمل على توسيع حرب غزّة إنطلاقا من جنوب لبنان والعراق وسوريا واليمن.
لم يعد سرّا الضغوط التي تمارس في لبنان كي يتكرس واقع أنّ «حزب الله» هو البلد والبلد هو «حزب الله». كذلك، ليس سرا ما تمارسه ميليشيات تابعة لـ»الحرس الثوري» في العراق بغية الضغط على الأردن في منطقة الحدود العراقيّة- الأردنيّة. هذا غيض من فيض ما تفعله إيران من إجل إرباك العرب وحمل هؤلاء على الدخول في لعبة المزايدات والشعارات التي لا طائل منها.
تنعقد القمّة العربيّة في مرحلة التحولات الكبرى إقليميا. تشبه المرحلة الحاليّة، مرحلة حرب غزّة التي يبدو أنّها ستطول، مرحلة عشرينات القرن الماضي. أي مرحلة ما بعد إنهيار الدولة العثمانيّة ؤإعادة تشكيل الشرق الأوسط.
هل يكون العرب عند المستوى المطلوب أم لا… كي يستأهلوا المساهمة في صنع منطقة دخلت مرحلة مخاض وإعادة تشكيلها؟
The post قمّة عربيّة في مرحلة إعادة تشكيل المنطقة… appeared first on جريدة الشرق اللبنانية الإلكترونيّة – El-Shark Lebanese Newspaper.