قال سقراط مع إني لا أعرف أعماق بواطنه وما يدور في خلده ولم أرى ما في قلبه “راحة الحكماء في وجود الحق, وراحة السفهاء في وجود الباطل!” قد تكون أصالته وأخلاقه ينبوعا موحدا لحكمته, وربما ألهمه نور الحب وصوره الراقصة أمام مخيلته المتسلطة على قلبه ليوازن بين الجدليات ويصارع بواطن الشر فيه ليستخلص أفكاره بعناية, وربما أستطاع بحكمته أن يروض شيطانه ليرى أنوار الحق, وقد يكون الحب دفة توجيهه ليكون من الحكماء في زمانه, لأن الحب مشاعر جياشة تطغى على المتناقضات فيجعلها جدولا رقراقا لا يعرف سيمفونيته إلا من عرفوا الوفاء والعفاف, فهو نابض لا توقفه مطبات الصعاب ولا ترهبه المخاطر ولا قوة الماديات, أو قد تكون بصيرته الثاقبة مصدرا لإدراكه الحق والوصول إلى حقيقة الأمور وموازنتها على كف التأمل, أو قد تكون شجاعته مصدر حكمته, لأن الاستهانة بالموت بُعد لفك طلاسم الدنيا ومفاتنها, كذلك ربما تكون فلسفته وتأملاته للكون إلهاما دافعا ليعرف طريقه وسط بهارات الديمقراطية في عصره, فهو من تعود بالمجاهرة “بأن العيش بالفضائل أهم من عبادة الآلهة” فهو من تعود على نقد أثينا ونظامها الاجتماعي وقيمها, لذلك خالف فتمت محاكمته وقتل, وأعتبر من شهداء العلم.
إن وجود الحق وتوفر أسبابه راحة للأمة جمعاء, فهو نور ضميرها ودليلها لبلوغ أهدافها المشروعة, إنه البلسم الذي يداوي جراحها ويرفع رأسها لترى نور ربها يقينا يدفعها لتكون قادرة على مواجهة الصعاب والتحديات التي أصبحت حجرة عثرة في زمننا هذا أمام إصلاح مسار حضارتنا المتآكلة وفكرنا المتشبع بشوائب الغرب, ومرض وحدتنا المزمن الذي جعلنا شتاتا لا استفاقة من تأثيره, يقول تعالى في سورة الأنبياء الآية 18 ” بل نقذف بالحق على الباطل فيدمغه فإذا هو زاهق”, كما إنه حقيقة راحة كاملة لا ضبابية على نوره الساطع للحكماء لأنه يغنيهم عن عواقب وتبعات أقوالهم ودورهم التنويري.
إن نقيض الحق راحة السفهاء, لأن وجود هذا النوع سواء كان بشرا أو مؤسسات أو دول فساد للقيم والأخلاق وزرع للقلاقل والفوضى والأيديولوجيات السامة, وبالتالي عدم الاستقرار, ففيه راحة هؤلاء القوم لأنه مصدر ربح ورفاهية وتوسع على حساب أهل الحق, ونحن اليوم نشهد ونعيش تكالب أهل الباطل على أهل الحق, فقد طغت الصهيونية الصليبية على موازين الحق وتريد إغراقها بالباطل, إن الحق حق حتى ولو قلب وصار قح, لأن القح لا تخالطه شائبة فهو أصيل, فالغرب ذو الفكر الهجين لا يريد للأمة الإسلامية أن تتطور لأنه يدرك مسبقا أن الدين لله وأن الإسلام هو دين الحق ولا وجود للأديان السماوية, فالإسلام دين البشرية من سيدنا آدم إلى أن تقوم الساعة, يقول تعالى “إن الدين عند الله الإسلام” ويقول ” ومن يبتغ غير الإسلام دينا فلن يقبل منه” ويقول في سورة البقرة الآية 193 “وقاتلوهم حتى لا تكون فتنة ويكون الدين لله” .
الحكمة تقتضي أن نكون مع الحق حتى ولو كلفنا ذلك كل شيء, لأننا بذلك نكون قد زرعنا الخير للأجيال القادمة وبالتالي تتواصل المسيرة الخضراء التي ترفع مكانة حضارتنا وتزيد من إثرائها, فقد قالها أسد الصحراء عمر المختار قبل إعدامه بلحظات “نحن لا نستسلم، ننتصر أو نموت، وهذه ليست النهاية، بل سيكون عليكم أن تحاربوا الجيل القادم والأجيال التي تليه، أما أنا فإن عمري سيكون أطول من عمر شانقي”. فهي حكمة خالدة خلدها التاريخ لتكون محفزا على إتباع الحق وعدم الاستسلام للإمبريالية والصهيونية الصليبية, نحن أمة مستهدفة بكل الطرق ولهذا وجب أن نكون على قدر من المسؤولية تجاه وحدتنا وتجاه القضايا العادلة في العالم.