فيروز الاسطورة لا تبكي، لكنها تنزف بصمت!
Spread the love

في حضرة السيدة العظيمة فيروز، تسقط الكلمات خاشعة، ويتراجع الحزن احترامًا لهيبتها، لكنها اليوم حزينة حزينة حتى الموت. حزينة بعمق لا يوصف، ووجع لا يُقاس. ورغم الحزن المهيب، لم نرَ فيروز تبكي. لم تجهش، لم تنهَار، لم تصرخ كما تفعل الأمهات حين يُختَطف من أحضانهن الابن، بل وقفت صبورة، متجلِّدة كالقدّيسة، كأنها تُصلّي. وجهها كان عابساً جامداً، وعيناها لم تدمعا، لأن الدموع عند الكبار لا تسقط على الملأ، بل تحترق في الداخل.

فيروز الاسطورة، التي غنّت للحياة والحب والرجاء، لم تكن الحياة رحيمة معها كما أغنياتها الرحيمة بنا. خسرت الأحبة، واحدًا تلو الآخر، وبقيت واقفة، شامخة، تشبه الشجرة التي تنزف في جذورها، لكنها لا تسقط.

فقدت زوجها، عاصي الرحباني، الشريك في الفن والعمر، والصوت الذي كان يكتب لها من قلبه. غابت ملامحه، لكنّ صوته بقي معها وفيها. يوم رحل، صمتت كثيرًا، ثم غنّت له من تلحين ابنها زياد وهو في عمر ١٧ سنة. غنت ولم تبكِ!

“سألوني الناس عنك يا حبيبي

كتبوا المكاتيب و اخدها الهوا

بيعز علي غني يا حبيبي

و لاول مره ما منكون سوى”

ثم بعد سنتين من فقدان زوجها، جاء رحيل ابنتها الشابة ليال عن عمر ٢٩ عاماً. خطفها الموت من بين عيني فيروز، وتحوّل الحنان إلى حرقة. ومع ذلك، لم تبكِ.

واليوم، توقّف قلبٌ كان يضخّ موسيقى، ويصرخ بالحقيقة، فودّعت ابنها ورفيق دربها، زياد، الثائر، المبدع، المختلف، الذي كتب لها، ولحن التمرّد، والسخرية، والصدق. رحل زياد وبقيت صامدة في الجنازة، لا تصرخ، لا تنهار، لا تذرف دمعة،  دموعها محبوسة ومشاعرها مكبوتة، لربما نشفت دمعتها او أخفتها خلف نظاراتها السوداء، او بالأحرى لا تبكي أمام الجمهور، بل ودعته في صمت ووقار، ليتحوّل ألمها إلى حضور حضاري قوي. هي التي رتّلت ” أنا الأم الحزينة”، أصبحت اليوم هي الأم الحزينة، بوجعها النبيل، وبقلبها الذي ينوح دون أن يُسمع.

في وداع زياد وامام رهبة الموت وقدسيته، اكتفت السيدة فيروز بالسكوت فكان صمتها أبلغ من أي رثاء. وربما، أمام النعش، همست له: كان يجب أن أرحل قبلك! فودعت فلذة كبدها بإيمان و وقار، ولم تبكِ،  لأنها فيروز.

فيروز اليوم تحمل قلبًا مكسوراً، مثقلاً بالفقد: عاصي، ليال، وزياد… ثلاثتهم دفنوا جزءًا منها معهم. لكنها بقيت، تحدّت الحزن وصمدت، لأنها صوت هذا الوطن، ولأنها الأمل الباقي في زمنٍ يفقد رموزه الواحد تلو الآخر.

فيروز الجبارة

لم تبكِ أمام محبيها

لأن الكبار لا يبكون

لا يُظهرون ضعفهم أمام جمهورهم

حتى لو كسرتهم الأيام

حتى لو تفتّت قلبهم من الداخل

هم يتألمون بصمت

يتصدّعون في الظل

ويبتلعون الألم

لأنهم أعمدة، لا يُسمح لهم بالانهيار

لأنّ صورتهم القوية يجب أن تبقى

لا تبكِ يا سيّدة الصمت والوقار

فكلّنا نبكي عنك

نبكي على من رحلوا

وعلى ما تبقّى من بلدٍ خذل مبدعيه

وعلى وطن لم يعرف كيف يصون كنوزه

أنتِ آخر ما تبقّى لنا من الزمن الجميل

فيروز الخالدة

كوني صبورة، قوية 

لا تضعفي ولا تُطفئي نورك

لأننا نعيش على نغمك

نضع صوتك تحت وسائدنا

نستيقظ على دفئه كل صباح 

ننام على رجائه كل مساء

نحتمي به كلما أظلمت الدنيا

وصوتك يبقى ذاكرة وطن لا يموت

أنت آخر ما تبقّى من عصرٍ

كان فيه الفنّ رسالة

والحبّ لحنًا

والصوت وطنًا

التاريخ

عن الكاتب

المزيد من
المقالات