رحم الله رجال الاستقلال! 
Spread the love

في مثل هذا اليوم نحتفل باستقلال لبنان و لم يبقى من هذا اليوم الذي نال فيه لبنان استقلاله في ٢٢ تشرين  الثاني ١٩٤٣ غير الذكرى. نتذكر و نترحم على رجال الاستقلال الذي ناضلوا و كافحوا سوياً، قلباً واحداً ينبض لبنان، موحدين من كافة الطوائف و المذاهب، مسيحيين اسلام و دروز.

كان لبنان و ما زال في موقعه الجغرافي مطمعاً للدول المجاورة. شمالاً ‏و شرقاً مع سوريا التي حكمتنا عسكرياً و اجتاحتنا ديموغرافياً. و جنوباً مع اسرائيل التي اجتاحت الاراضي اللبنانية مراراً و دمرت قرانا و البنية التحتية. في يومنا هذا نسميها باسرائيل ولكن ما رسخ في ذهني ان حدودنا جنوباً هي مع فلسطين المحتلة، هكذا  كانوا يدرسوننا في المدرسة و ينبهوننا من ذكر اسم اسرئيل في الامتحانات الرسمية للبكالوريا كي لا يلغي الاستاذ المصحح المسابقة و تتسبب برسوبنا.

كما نحمد ربنا بان لبنان آمن من جهة شرقه إذ ان حدود شرقنا البحر الابيض المتوسط و ليس دولة طامعة و الا كانت هاجمتنا ايضاً.  

ظل لبنان عبر العصور محط أطماع القوى العالمية منذ القدم، فخضع لحكم الآشوريين والبابليين والفرس والمصريين والإغريق والرومان والبيزنطيين و من ثم العثمانيين وذلك لمدة اربعمائة سنة،  وبعد نحو ٢٣ عاما من الانتداب الفرنسي عقب الحرب العالمية الأولى، استقل لبنان رسميا عام ١٩٤٣

أما حكاية الاستقلال هذه كتبها رجالات وطنية تضامنوا و صمدوا في وجه سلطات الانتداب الفرنسي، و سجنوا في قلعة راشيا حتى بزغت شمس  الحرية و الاستقلال.

في زمن المحبة و الاخلاص للوطن، اتحد و تضامن المسيحيون والمسلمون اللبنانيون معاً، إتفقوا سوية فيما بينهم دون اي تدخل خارجي و صنعوا الميثاق الوطني الذي سمح للبنان بالاستقلال من الانتداب الفرنسي. وأعلنوا استقلال لبنان تحت اسم الجمهورية اللبنانية.

كم نفتقد الى أمثالهم في يومنا هذا، الى أبرز رجالات الاستقلال رياض الصلح، كميل شمعون، حبيب أبي شهلا، عادل عسيران، مجيد ارسلان وسليم تقلا، وصولاً إلى صبري حمادة وصائب سلام وعبد الحميد كرامي .

كم نفتقد في ايامنا العصيبة هذه الى رجال كرجال الاستقلال! الى سياسيين وطنيين صادقين بمواقفهم، يعملون لوطنهم فقط، و خطاباتهم تترافق مع جهود سياسية على ارض الواقع! 

كم نفتقد اليوم لوطنيتهم و حكمتهم في زمن التسلط و الكذب، زمن الفساد و المصالح الشخصية، زمن العنجهية و التكابر!

كم نفتقد لوحدتهم و تكاتفهم! و تضامنهم لقراراتهم الموحدة، الجريئة و الصارمة!

كم نفتقد لرجالات يتحولون الى رموز، الى أبطال يوحدون الارض و الشعب لخلاص لبنان!

كم نفتقد لسياسيين يضعون طائفتهم، مذهبهم، حزبهم و مصالحهم الشخصية جانباً و يناضلون فقط للبنان و لخلاص أرضه و شعبه!

بأي استقلال نحتفل؟

و هل ان لبنان يعتبر بلداً مستقلاً؟ بلداً سيداً حراً ؟ أين سيادة لبنان و قرار السلم و الحرب  ليس بيد الدولة اللبنانية؟ أين صلاحيات  المجلس الاعلى للدفاع؟  أليس التدخل الأجنبي انتهاك لاستقلال لبنان؟  

لقد أصبح لبنان الذي يقع على خط سلسلة الزلازل السياسية عرضة للتدخلات الاجنبية كما ان ارضه أضحت مسرحاً لكل الصراعات الاقليمية و الدولية وتتدخل فيه كل الزعامات والسفارات العالمية! 

بأي استقلال نحتفل؟ 

وقد أصبح لبنان ساحة مستباحة و مكشوفة ولا يوجد فيه مكان آمن و محمي من الغارات الاسرائيلية. حدودنا مشرعة لتهريب البشر و السلاح و خيرات بلادنا لا حسيب و لا رقيب

بأي أستقلال نحتفل؟

سماؤنا مباحة لطيران حربي عدواني يجتاح سماؤنا و يقصفنا دون تصدي! سماؤنا لم تعد زرقاء بل سوداء من كثرة الدخان و الدمار!

قرانا دمرت و ما أكثرها من سويت أرضاً! أما مشاهدة الابنية و هي تتساقط نزولاً، يا للرعب! فتتساقط كبيوت الورق! 

بأي استقلال نحتفل؟

شعبنا بما يعادل ثلث اللبنانيين اصبحوا نازحين بتقدير مليون ونصف نازح مشرد، منذ بدء العدوان الإسرائيلي على لبنان، و قد تحولت مدارسنا الى مراكز ايواء مما شكل أزمة كارثية تتفاقم يوماً بعد يوم. اذ يشهد لبنان أكبر عملية نزوح حصلت في تاريخ المنطقة وتاريخه. 

الاستقلال ليس مجرد مناسبة للاحتفالات والخطابات والتهاني المزيفة، الاستقلال هو أن يكون ولاء أبناء الوطن لوطنهم، لا لأوطانٍ أخرى ولا لمشاريع سياسيةٍ ودينيةٍ لا تمتّ للوطن بصلة، الاستقلال ان تكون لبنانياً.

كفى حروب الآخرين على أرض لبنان و تصفية حسابات اقليمية و دولية على حساب الشعب اللبناني! أوقفوا هذه الحرب الضروس اذا استمرت ستؤدي حتماً الى دمار كامل و شامل للبنان.

كفى قصفاً ودماراً و حرائق ونيران وأعمدة دخان.

كفى قتلاً و بقع دماء تملأ الأرجاء، جثث ممزقة وأشلاء، و رائحة الموت تقطع الأنفاس.

عيون اللبنانيين شاخصة نحو المجهول اذ نعرف متى اندلعت الحرب و لكن نجهل متى ستنتهي. لبنان المدمر في أشد الحاجة الى مخلص ينهي دوامة الحرب و ينشلنا من نار جهنم. فان الاوطان و  الامم تقوم و تختصر على رجال يكتب التاريخ عنهم و يخلدهم،  فعن من سيكتب؟

رحم الله رجال الاستقلال !

التاريخ

عن الكاتب

المزيد من
المقالات