دعوة إلى التضامن الحقيقي مع فلسطين: من أستراليا إلى قلب المعاناة
Spread the love

مقال للدكتور محمود مسكين

في ظل موجة التضامن العالمية المتصاعدة مع القضية الفلسطينية، لا سيما في أوساط المجتمعات والنشطاء في أستراليا، نوجّه هذه الرسالة الصادقة من أولئك الذين يحملون ثقل المعاناة، من أبناء وبنات غزة الذين غادروها حاملين معها ألمها وكرامتها وصمودها.

دعونا نتحدث بوضوح وبأسى: لسنا بحاجة إلى المزيد من الشعارات أو التنظير المجرد. فقضيتنا ليست ساحة لتصفية الحسابات، ولا منصة لاستعراضات الشهرة المبنية على دماء شهدائنا وصراخ أطفالنا.

التضامن الحقيقي مع فلسطين لا يكمن في الأصوات المرتفعة أو المنشورات على وسائل التواصل. بل في الاقتراب من جوهر الألم، وفهم المعاناة اليومية الحقيقية التي يعيشها شعبنا في غزة والضفة الغربية والشتات. نحن نبحث عن تضامن نابع من وعي عميق، تضامن يداوي الجراح ولا يزيدها، يبني ولا يستغل.

نحيّي من كل قلوبنا كل الجهود الصادقة والضمائر الحيّة التي وقفت إلى جانب شعبنا، جهود مخلصة ومباركة ومقدّرة. لكن، وللأسف، كثيراً ما تُختطف هذه النوايا النبيلة من قبل من يدّعون حرصهم على غزة، بينما في الحقيقة هم لا يشعرون بشيء من آلامها. حياتهم تسير كالمعتاد: إجازات، سفر، ورفاهية يومية لا تتوقف، وتعاطفهم لا يتجاوز لحظة حزن عابرة أو منشوراً عاطفياً، بينما تتحوّل موجة التضامن إلى فرصة لبناء صورة أو مكسب شخصي.

هذه الظاهرة الخطيرة تُهدر طاقات المتضامنين الحقيقيين، وتُبعد البوصلة عن المبادرات الفعلية التي يمكن أن تخفف المعاناة. فقضيتنا ليست ساحة لمكاسب فردية ولا لحملات أنانية متمركزة حول الذات.

نحن أبناء غزة، لم نولد وفي أفواهنا ملاعق من ذهب. خرجنا بما تبقى لدينا من قوة، وما زلنا نحمل هموم أهلنا. كل غزّي في الخارج يقتسم راتبه مع عائلته، ويشارك لقمة عيشه مع أحبائه، لا من باب التفضّل، بل من باب الوفاء. لا نطلب امتيازات، بل نُصرّ على أن نكون جسراً للعون لا عبئاً مضافاً. نحن حالة استثنائية في عالم تغمره النزاعات: نعاني داخل الوطن وخارجه، ونحمل معنا ألمنا حيثما نذهب. ومع ذلك، يأتي من يحاول سلب أهلنا صوتهم وحقوقهم، ونحن لن نسمح بذلك.

القرار الفلسطيني يجب أن ينبع من قلب المعاناة نفسها، من أولئك الذين يواجهون الحصار، ويتحملون الرصاص، ويحملون ندوب التهجير والاحتلال. لا يملك أحدٌ سلطة فرض وصايته علينا. ولا يحق لأحد أن يسلب إرادة شعبنا بحجة المساعدة أو الوصاية الذاتية.

إلى كل من يقف متضامناً معنا في أستراليا وسواها، نقول: اجعلوا دعمكم واعياً، مؤثراً، ومتجذراً في الحقيقة. اسألوا أنفسكم: هل ما نقوم به يخدم أهل غزة فعلاً؟ هل يعكس صوتهم الحقيقي؟ هل يخفف معاناتهم أم يضيف إليها؟

التضامن الحقيقي هو الذي يُنصت، ويتعلّم، ويتواضع أمام صمود الشعب الفلسطيني. فكونوا جزءاً من الحل، لا عبئاً إضافياً على سلسلة معاناتنا.

اجلسوا مع أصحاب القضية، ولا تحاولوا إقصاءهم.

ونحن نُدرك تماماً أن الكثيرين يحملون نوايا طيبة، ونحن ممتنون لكل قلب صادق يقف إلى جانب شعبنا. لكن النوايا وحدها لا تكفي. فالكثيرون، عن قصد أو دون قصد، يدفعون بالحركة في اتجاهات لا تخدمنا، بل تُبعدنا عن احتياجات وأصوات من يعانون فعلاً.

وهنا نؤكد من جديد: نحن بحاجة إلى تضامن واعٍ ومدروس، يتبع قيادة من يعيشون الألم، ويُعبّر عنهم بحق. فجراحنا أعمق من أن تُستغل كورقة في صراعات حزبية أو أجندات شخصية أو روايات انتهازية.

التاريخ

عن الكاتب

المزيد من
المقالات