تمرّ تونس في أزمة عميقة. تعبّر عن الأزمة أفضل تعبير مواقف متتالية للرئيس قيس سعيد. يتخذّ قيس سعيّد مع مرور الأيام مواقف تزداد غرابة. بل يمتلك الرجل قدرة التفوق المستمرّ على نفسه في كلّ مرّة يوجه كلاما إلى التونسيين أو إلى العالم الخارجي.
لعلّ أخطر ما في الأمر أنّ نظريات قيس سعيّد تكشف جهلا في العالم وفي تونس نفسها. ثار التونسيون قبل إثني عشر عاما للتخلّص من نظام زين العابدين بن علي الذي تحوّل في السنوات الأخيرة من عهده إلى نظام برأسين يتحكّم به الفساد. كان هناك الرئيس التونسي السابق وكانت هناك زوجته الثانية ليلى طرابلسي التي سيطرت مع أفراد عائلتها على قسم من الاقتصاد وتحكمت بالقرارات السياسيّة. لم يحصل في عهد بن علي إنهيار إقتصادي تونسي بمقدار ما حصل احتكار للسلطة، حافظ إلى حدّ ما، على خصوصيات البلد وإرتباطاته بالخارج عبر علاقات متوازنة عربيّا وأوروبيّا ودوليا.
من يتمعن في كلام الرئيس التونسي الحالي، يكتشف أنّه يعيش في عالم آخر متجاهلا قرب تونس من أوروبا والعلاقة الوثيقة بها مع ما يعنيه ذلك بالنسبة إلى ضرورة توفير مناخ مناسب كي تكون هناك استثمارات خارجيّة، بما في ذلك عربيّة في تونس. لا يستهدف كلام سعيّد، الذي يتصرّف كأستاذ لغة عربيّة في مدرسة إبتدائية، سوى تدمير المؤسسات التونسيّة. يشمل ذلك مجلس النواب. إنّه يضع الأسس لإقتصاد إشتراكي إنطلاقا من تجارب يساريّة سقطت في كلّ أنحاء العالم، خصوصا مع سقوط الإتحاد السوفياتي.
ليس معروفا لماذا هذا الإصرار على إفقار تونس التي تمتلك ثروة إنسانيّة كبيرة يرفض قيس سعيّد الإستعانة بها في الإنفتاح على العالم. لديه إصرار ليس بعده إصرار على إختزال تونس في شخصه واستبعاد أي شخصيّة ذات حيثية عن المواقع الأساسيّة. لم يلجأ بن علي إلى مثل هذا التصرّف. على العكس من ذلك، حاول، خصوصا في السنوات العشر الأولى من عهده الإستعانة بخبرات لتونسيين لمعوا في حقول معيّنة. كان همّه الأوّل محصورا في ألّا تشكل هذه الشخصية أو تلك تهديدا له وأن تظلّ طموحاتها السياسية ضمن حدود معيّنة، بل معدومة.
كان آخر المواقف الغريبة لقيس سعيّد تبرير الإقبال الشعبي شبه المعدوم، الذي بلغ بالكاد نسبة 11 في المئة في الدورة الثانية للإنتخابات النيابية، بغياب ثقة التونسيين بمجلس النواب. ما دام لا ثقة لدى التونسيين بمجلس النواب، لماذا، إذا، ذلك الإصرار على إجراء انتخابات عامة في وقت يعاني فيه المواطن العادي من كلّ نوع من أنواع الحرمان، بما في ذلك في مجال الأدوية والمواد الغذائية الأساسية التي كانت متوافرة بسهولة في الماضي.
الأغرب من ذلك كلّه، قوله في واشنطن على هامش قمة أميركيّة – إفريقية في كانون الأول – ديسمبر الماضي أنّ «شعوبنا (العرب والصين) دفعت ثمن ما يُتعارف عليه بالعولمة التي لم تغير الواقع في العالم». دعا القمّة إلى أن «توفّق في شق طريق جديدة بمفاهيم جديدة تصنعها البلدان العربيّة والصين معا إنطلاقا من القيم نقسها والإرادة نفسها». أضاف: «العولمة تدمر نفسها بنفسها ونحن لا نريد أن نكون من ضحاياها».
يشكّل مثل هذا الكلام نموذجا عن عدم معرفة ما يدور في العالم. إذا كانت الصين إستفادت من شيء في ضوء إنهيار تجربة الإتحاد السوفياتي، فهي استفادت من العولمة. تغيّرت الصين في السنوات العشرين الأخيرة بعدما تبنت نظريات حديثة في الاقتصاد مبقية على نظام الحزب الواحد. طورت إقتصادها وطورت نظرتها إلى العالم، في أطار تطلعات إمبريالية يمكن أن ترتد عليها عاجلا أم آجلا. يمكن أن يحصل ذلك في غياب القدرة على تطوير النظام الصيني نحو مزيد من الإنفتاح الداخلي.
الأكيد أن تونس ليست الصين. تونس دولة صغيرة. لكنّها تستطيع الإستفادة من العولمة من دون السقوط في متاهات الديكتاتورية كما حصل في الصين حيث يحاول الزعيم الجديد للحزب الشيوعي تشي جينبينغ أن يكون ديكتاتورا آخر على شاكلة ماو زي تونغ.
من آخر إبداعات قيس سعيّد الإستعانة بعسكريين لمعالجة المشاكل التي تعاني منها مرافق معيّنة مثل الصحة والفلاحة (الزراعة). تشبه إجراءاته معالجة مريض بالسرطان عن طريق الأسبيرين. لا شكّ في أنّ الضباط التونسيين منضبطون. لكنّ الإستعانة بهم لن تؤدي إلى أي تحسّن يذكر في غياب تغيير جذري في عقلية قيس سعيّد الذي بات يختزل السلطات الثلاث (التنفيذية والتشريعيّة والقضائية) في شخصه.
لا يمكن المقارنة بين الوضع الاقتصادي والمعيشي المزدهر في أيام زين العابدين بن علي وبين الوضع البائس لتونس في عهد قيس سعيّد. صبر التونسيون طويلا على بن علي قبل أن يتحرّك الشارع إحتجاجا على كلّ ذلك الفساد الذي استشرى بسبب زوجته وأفراد عائلتها. ليس بعيدا اليوم الذي سيتحرّك فيه الشارع التونسي مجددا بحثا عن رئيس جديد يتمتع بحدّ أدنى من المنطق والمعرفة بالعالم وموازين القوى فيه بدل مهاجمة صندوق النقد الدولي أو وكالات تصنيف الدول إقتصاديا، وهي وكالات محترمة مثل «موديز». وضعت هذه الوكالات الاقتصاد التونسي في موقعه الصحيح، وهو موقع سيّء، بدل الإستجابة لأوهام قيس سعيّد وأفكار يسارية طفولية إزدراها العالم المتحضر منذ زمن بعيد… أفكار لا يمكن ان تبني دولا في القرن الواحد والعشرين.
The post بقلم خيرالله خيرالله – قيس سعيّد والصين والعولمة appeared first on جريدة الشرق اللبنانية الإلكترونيّة – El-Shark Lebanese Newspaper.