الشهيد الرئيس رفيق الحريري الزعيم الأبرز في تاريخ لبنان (2)
Spread the love

بقلم باسم السبع 

عندما وصله الإشعار السعودي بالذهاب الى دمشق، بواسطة صاحب الفكرة والمشرف على تنفيذها الامير عبد العزيز بن عبدالله، بكى سعد يومها بمرارة، وردد بين جدران مكتبك في قريطم؛ ماذا سأقول لرفيق الحريري؟. ماذا يمكن أن يقول لي؟… سيقول لي افعل ما يطلبه الملك عبدالله.

حاول سعد كسب مزيد من الوقت، لعل وعسى، فطلب من الملك مباشرة ارجاء الذهاب الى ما بعد الانتخابات النيابية. جاءته الاستجابة على مضض من الامير عبد العزيز. قرأ وليد جنبلاط في هذا المشهد متغيرات تتهيأ لها المنطقة فقرر أن يسبق سعد الى قصر المهاجرين لتبدأ بعد ذلك رحلة دفع الأثمان.

أغلى الاثمان كان انفراط عقد تحالف الرابع عشر من آذار، بعد الانتصار الذي أحرزه في الانتخابات النيابية.

لم يشفع اتفاق الدوحة لسعد، ولم تشفع له زيارة دمشق، ولم تشفع له نتائج الانتخابات.

طغيان السلاح تغلب مرة جديدة على الدستور والشرعية والنظام الديموقراطي. فُرضت معادلة الثلث المعطل وبدعة الوزير الملك على التشكيلة الوزارية برئاسته. تحولت المعادلة الجديدة الى قاعدة للابتزاز ومنها تم توجيه الضربة لحكومة سعد أثناء اجتماعه في واشنطن مع الرئيس الاميركي باراك اوباما.

قرر الضربة «حزب الله» وأعلنها جبران باسيل من الرابية برعاية ميشال عون، واستكملت باختيار نجيب ميقاتي لرئاسة حكومة سميت «حكومة حزب الله»، فغادر سعد الى الرياض لفترة استراحة وتشاور، خرقتها أحداث الربيع العربي التي بدأت في تونس وانتشرت في ديار أخرى.

ثلاثة أشهر فقط فصلت بين إقصاء سعد بقوة الثلث المعطل وبين اندلاع الثورة السورية. الحدث كان مدوياً، والفرحة لدى سعد وجمهور كبير من اللبنانيين كانت مدوية أيضاً.

رابط سعد في منزله في الرياض، يتقصى أخبار سوريا والانتفاضة الشعبية المتنقلة من مدينة الى مدينة. بدا بشار الاسد قاب قوسين أو أدنى من السقوط على وقع تحركات شعبية سلمية لا سابق لها. انتشرت ارادة التغيير الديموقراطي في المجتمع السوري انتشار النار في الهشيم. قرر سعد مد اليد الى قوى الثورة المدنية ومساعدتها على تقديم مشروعها السياسي وقد ساهم فعلاً في تشكيل مجموعة عمل سورية – لبنانية مخصصة لاعداد ورقة سياسية لائتلاف قوى الثورة…

الشعور الأولي الذي انتاب فريقنا السياسي في حينه، أن الشعب السوري يثأر للشعب اللبناني من نظام الاسد، وفي عناوين الثأر الانتقام لاغتيالك في ١٤ شباط.

الشعور كان على قياس التمنيات، فلم يتطابق مع التقلبات التي شهدتها الساحة السورية. دخلت ايران بحرسها الثوري وقواها المنتشرة في لبنان والعراق لتتسلم زمام الدفاع عن النظام، وأُخليت قوى التطرف من السجون السورية لتتصدر «داعش» قيادة الثورة في وجه النظام.

أدرك سعد أن الرياح تجري بما لا تشتهي سفن التغيير السوري، وأن القوى الدولية العسكرية المتدفقة الى سوريا أوكلت مهمة حماية النظام الى القيادة العسكرية الروسية، وأن الاحتضان الغربي والعربي لقوى الثورة آخذ في التلاشي، وأن النظام نجح في نقل المعركة من اشتباك مع الثورة الى معركة حياة أو موت مع «داعش».

في تشرين الاول ٢٠١٢ تم اغتيال اللواء وسام الحسن في قلب الاشرفية في بيروت بعد أقل من شهرين على توقيف الوزير السابق ميشال سماحة بنقل متفجرات من سوريا بايعاز من مسؤول المخابرات اللواء علي المملوك لاستخدامها في اغتيال شخصيات شمالية. كنا مع سعد في جدة. طلب الاستعداد للمغادرة الى بيروت للمشاركة في وداع وسام. جاءه اشعار من القيادة السعودية بعدم السفر لدواعٍ أمنية.

في كانون الاول ٢٠١٣ تم اغتيال محمد شطح على بعد مئات الامتار من بيت الوسط. أصداء الرسالة وصلت الى سعد في الرياض… المطلوب رأسك. طلب الاستعداد للنزول الى بيروت للمشاركة في وداع محمد. تبلغ من جهات سعودية عليا أنه ممنوع من السفر لدواعٍ أمنية. «الخطر على حياتك قائم، والملك يريدك أن تبقى في الرياض، واذا حاولت السفر هناك قرار بمنع طائرتك من الاقلاع».

بحلول العام ٢٠١٤ تصاعدت مشاركة «حزب الله» في الحرب السورية والاعلان عن انتقال آلاف المقاتلين لدعم النظام. الرد على المشاركة نفذه تنظيم «داعش» بسلسلة تفجيرات استهدفت الضاحية والسفارة الايرانية في بئر حسن.

تدخلْ «حزب الله» في سوريا حصل على تغطية اقليمية ودولية، بدليل قدرته على التحرك وفعاليته في نقل الآليات والمقاتلين والاسلحة الثقيلة على مرأى من الاقمار الصناعية والرصد الجوي.

قيام «داعش» بتولي نقل الحريق السوري الى الداخل اللبناني، لم يأتِ صدفة وربما كان في سياق مخطط لاشعال الساحة اللبنانية.

أواخر العام ٢٠١٤ سمعت من سعد الآتي: لقد خسرنا الحرب في سوريا. الجميع تخلى عن الشعب السوري. الأولوية لحماية النظام وقتال «داعش». نجح النظام في تقديم الثورة لـ»داعش» ونجحت «داعش» في تقديم رأس الثورة للنظام…

هذا العام كان مفصلياً في توجهات سعد. منه انطلق البحث عن حزام أمان للبنان، ومنه سار سعد على خطاك لحماية البلد. فيه بدأ الفراغ الدستوري في موقع رئاسة الجمهورية ومنه بدأ سعد رحلة البحث عن ملء الفراغ.

ربَطَ النزاع مع «حزب الله» بعد تفجيرات طرابلس والضاحية، واشتعال جبهة التبانة – بعل محسن، وحوادث عبرا في صيدا، والاشتباكات المتنقلة بين بربور والمزرعة، وتبادل اقامة الحواجز بين المدينة الرياضية والضاحية، وتسليط أضواء الارهاب على عرسال وارتفاع منسوب الاحتقان المذهبي لأعلى المستويات.

اجتهد سعد في ربط النزاع مع حزب متهم باغتيال والده. لم يكن الاجتهاد من بنات أفكاره، انما جاء محصلة لنقاش معمق مع فريق عمله في الرياض التي شهدت أكثر من زيارة لممثلي الثنائي الشيعي بهدف الاجتماع مع سعد والتدوال في الآليات المتاحة لتخفيف الاحتقان.

ولو كانت مقاعد مكتب سعد في الرياض تنطق، لنطقت بأحاديث شخصيات أمنية وسياسية حضرت من بيروت وتطوعت لخلافة وسام الحسن في مهمة التواصل مع «حزب الله»، في ما هي «تُفحش» اليوم في اعلان رفضها لربط النزاع. شاركوه في انتصاراته وحصدوا ما ملكت أيديهم وحاسبوه على الخسائر.

أنا لا أتقدم من دولتك بمرافعة لتبرئة سعد من سقطات واخفاقات السنوات الأخيرة. فأنت أعلم من سواك بسعد، وبأن معظم الاقطاب في تاريخ السياسة اللبنانية ارتكبوا سقطات لا تعد ولا تحصى. السياسة كرٌ وفر، لكنني أجتهد على طريقتي لأقول؛ ان ثقافة التسويات وشراء الوقت والازمات وتدوير الزوايا لتجنب الأسوأ والتنازل للخصم بنية تحقيق مصلحة عامة وتمرير مشروع حيوي للبلاد، هي ثقافة حريرية بامتياز، مارستها دولتك مع «حزب الله» ومع القيادة السورية ومع اميل لحود وحتى مع الحلفاء والمقربين والاصدقاء الذين ناكفوك وقصفوك بأقسى الكلام متخذين من البرلمان منبراً للنيل من سياساتك الاقتصادية، وارتضيت وجود ودائع سورية في كتلتك وداخل قصرك وتقديم حقائب وزارية من حصة السنة لوزراء من «البعث» والحزب «القومي».

الناقمون على ابنك يا دولة الرئيس نوعان: نوع يلتحف عباءتك واسمك وسيرتك، ويراها عباءة سنية لا وطنية، للحصول على نطفة من الارث السياسي الذي تركته لسعد، ونوع التحف عباءته وتدثر نعمته ونام في أسرته وأكل على مائدته وفي يده خنجر مسنون يستخدمه عندما تحين ساعة الخيانة.

النوعان يلتقيان على قاسم مشترك يريد تحميل سعد ذنوب المرحلة الماضية خصوصاً بعد انتخاب ميشال عون رئيسا للجمهورية.

ليس المقصود أن كل من خالف سعد مخطئ أو خائن وغدار، ولا كل من خرج من صفوفه متواطئ عديم الوفاء. هناك من خالفه وصارحه ولم يتركه لغدر الزمان وطعنات الشامتين، وهناك من خالفه وصارحه عن قناعة وسابق معرفة وخوف وتركه نهباً للمصطادين في الماء العكر. وفريق من هؤلاء تعمد أذيته والتشهير بسلوكه والتنكيل بسمعته وما ملكت صدور البعض من ضغينة على سعد.

غفروا لأنفسهم كل الذنوب التي ارتكبوها وشاركوا فيها وتقدموا عليه أشواطاً في ارتكابها، ليحملوه ذنباً واحداً هو التسوية مع ميشال عون.

عرض عليهم التسوية مع سليمان فرنجية فرفضوه. أعلن سمير جعجع ترشيح نفسه للرئاسة فمشى به أربعون جلسة. نصحهم بتسويق التوافق مع بكركي على أمين الجميل فغضبت معراب.

قد تكون خيارات سعد غير موفقة فيها الكثير من روح المغامرة، وقد «عوقب» عليها ووجهت له سهام الاتهام والغدر والاهانة من القريب والبعيد. لكن ماذا كانت خيارات الحلفاء والمحيطين والمقربين والمحبطين وفرق المزايدة باسم الطائفة والعائلة والحريرية السياسية والخط السيادي؟.

وجدوا الفراغ مخرجاً فرآه لعنة، فذهبوا الى ملئه بالجنرال ثم قرروا اختزال حياة سعد السياسية بالتسوية معه.

تناسوا التحديات التي واجهها والهدايا السياسية التي قدمها والأثمان التي دفعها من صحته وكرامته وماله وأرزاقه، وتناسوا المخاطر التي اقتحمها والألغام التي فككها والفتن التي أخمدها والعلاقات التي أنجزها والمواقف التي أعلنها. تناسوا دوره في تأهيل لبنان للنهوض الاقتصادي، وأبواب العالم التي طرقها وسار نحوها على خطاك وصولاً الى مؤتمر «سيدر». تناسوا وتناسوا… ولم يبق في جعبتهم سوى «أم الذنوب»: التسوية مع ميشال عون.

وكأن التسوية لم تفتح شهية البعض لمغازلة «حزب الله» والاشادة بوزرائه واعتباره مكوناً لبنانياً لا يصح تخطيه. وكأن التسوية صنعت فقط في بيت الوسط، ولم يستحضر الناقمون موادها الأولية من خزائن أفكارهم وارشاداتهم وتفاهماتهم السياسية وصفقاتهم على توزيع الادوار والمغانم.

هل تُخبرهم يا دولة الرئيس عن التسوية التي نظمتها مع اميل لحود وزيارته السراي الكبير والتعهدات التي قدمها لك؟ هل تخبرهم كيف فرض بشار الاسد التسوية عليك للتمديد لاميل لحود؟. وهل تخبرهم أنك اخترت القبول بالتمديد لتجنب تكسير بيروت على رؤوس أهلها؟.

آه يا أبا بهاء. لو كان في الامكان أن تخبرهم أن سعداً مشى على دربك واقتدى بسيرتك وسمع من لسانك أنك انتخبت لحود لأن الفراغ قاتل. وآه لو يعلموا كيف تصرف سعد رفيق الحريرى ليلة انتهاء ولاية لحود ومغادرته قصر بعبدا، ليلة اعترض على أجواء الفرح التي سادت قريطم قائلاً؛ أنا حزين وخائف… رئاسة الجمهورية صارت من دون رئيس، وقعنا بالفراغ. علينا أن نخاف لا أن نفرح.

أعلن سعد تعليق العمل بخياراته وقرر اعادة الأمانة الى صاحبها الاصلي وسحبها من التدوال في أسواق النخاسة والنجاسة السياسية.

انه يعيدها اليك، أنت دولة الرئيس رفيق الحريرى، لأنك ما زلت الزعيم الأبرز في لبنان وصاحب الرؤية التي لم تتكون من بعده رؤية.

انهم يتهيبون غيابك كما تهيبوا حضورك. هل أنت فعلاً على قيد الحياة؟!.

يتحدثون عنك كما لو أنك لم ترحل ويسلطون عليك ألسنتهم وأقلامهم لتحميلك تبعات انهيار صنعه العهد القوي والحزب القوي والصهر الشقي

ينتقدون انجازاتك لا لشيء سوى أنها تحمل اسمك. ينامون على اسمك ويستيقظون عليه، يرونك كيفما تحركوا. في المطار الذي وسعته فبهدلوه، وفي المرفأ الذي أضأته فأحرقوه، وفي الجسور التي بنيتها والملاعب التي شيدتها والمستشفيات التي افتتحتها والطرقات التي ينتقلون عليها الى مناطقهم وبيوتهم ومكاتبهم وأشغالهم… يهز أبدانهم اسم رفيق الحريري. لم يصدقوا كيف انتهيت، فجاءهم سعد. بقي فوق صدورهم ١٧ سنة الى أن قطعوا أنفاسه وأنفاس البلد، فترك لهم جهنم على من فيها.

أصبح سعد مبدئياً في الأمان. لكنه ليس بخير لأن العائلة ليست بخير. مؤسف جداً أن بعض الأبناء لم يكتسب من تربية رفيق الحريري ذرة قيم.

نحن الذين رافقناك وأحببناك، يوجعنا أن تكون عائلة رفيق الحريري، وابنه الأكبر تحديداً، نهباً لما ينشر في مواقع التواصل الاجتماعي وأداة في حملات الاساءة لارثك الوطني.

عذراً أبا بهاء على الدخول في أمور تخص البيت الداخلي، وقد كان بيتك بيت كل اللبنانيين، وهو استمر كذلك من قريطم الى بيت الوسط الى مجدليون.

نرفع اليك الشكوى لأن الضرب في الخواصر يوجع، ولأن رفيق الحريري لا يستحق ضجيج داحس والغبراء في أروقة الاولاد.

يعزينا أن ولدك سعد طيب القلب عفيف اللسان واسع الصدر، لم يخطئ بحق أحد، حتى وهو يتلقى الطعنة تلو الطعنة.

حفظ رأسه في لعبة الأمم. نفض عنه وحول التجربة المرة. تحرر من أعباء مرحلة طحنت عظامه وسدت شرايين قلبه. ترك الوحول لأصحابها والسلطة

للمتباكين على الصلاحيات والانتخابات لمن يستحق ومن لا يستحق، وقرر أن يبدأ حيث بدأ رفيق الحريري.

أبا بهاء، بعد ١٧ عاماً من الانتظار، أستأذنك القول اننا لن ننتظر على ضفاف النهر بعد اليوم. لقد فاضت مياه النهر ودخلت بيوت الأحزاب والرئاسات والقيادات والنواب والوزراء ورجال الدين والقضاء والأمن والاعمال. لم تستثنِ منهم أحداً. جرفت في طريقها ثلة من حرس الاغتيالات والحروب الاهلية على الخط الايراني بين العراق وسوريا ولبنان. المياه صارت ملوثة والكل يسبح أو يتخبط فيها. مبارك النهر على السباحين القدامى والضيوف الجدد… لقد خرج سعد وغادر الضفة».

انتهى

The post الشهيد الرئيس رفيق الحريري الزعيم الأبرز في تاريخ لبنان (2) appeared first on جريدة الشرق اللبنانية الإلكترونيّة – El-Shark Lebanese Newspaper.

التاريخ

عن الكاتب

المزيد من
المقالات