إجراءات وتعاميم مصرف لبنان والثقة المفقودة
Spread the love

بعد أن كان من المتوقع أن تصدر شركة “ألفاريز أند مارشال” الأميركية تقريرها الأولي لنتيجة التدقيق المحاسبي حول نشاط مصرف لبنان من العام 2015 وحتى العام 2021 قبل نهاية العام 2022، لا يزال التقرير مجهول المصير على الرغم من انقضاء قُرابة الثمانية أشهر. في حين أنّ مصادر مواكبة لعمل شركة التدقيق تؤكد أن الشركة قدمت التقرير الأولي الى وزارة المالية ضمن المهلة المتفق عليها، الأمر الذي يدعوا الى التساؤل عن مصير هذا التدقيق في الوقت الذي يستمر فيه مصرف لبنان بإصدار التعاميم المنظمة للعمليات المصرفية والنقدية.
في المقابل تواجه إجراءات مصرف لبنان وتعاميمه بموجة من التشكيك بصدقيتها وفعاليتها في مواجهة الازمة النقدية والمالية التي تجتاح لبنان منذ نهاية العام 2019، خاصة وأنها تصدر عن السلطة النقدية عينها التي اوصلت الوضع المالي والنقدي الى الانهيار. وما زاد في تعقيد الوضع النقدي التشكيك الذي كانت ولا تزال تواجه به تعاميم مصرف لبنان وعدم الثقة بكفاءة اجراءاته، حتى عندما تستند الى ما يكفي من الأسباب الموجبة لاتخاذها.
سيما وأنّ مصرف لبنان كان قد أحجم مع بداية الازمة عن الدفاع عن الليرة في مواجهة الدولار الأميركي وغيره من العملات الأجنبية بحجة الحفاظ على احتياطياته من العملات الأجنبية، بينما لم يتردد في تلبية طلب الحكومة دعم لائحة طويلة من السلع المستوردة وبينها الكثير من السلع غير الضرورية، ليستمر في تبديد هذه الاحتياطيات حتى لامست الاحتياطي الالزامي الذي تم تخفيض نسبته لتتناسب مع الدرك الذي وصلت اليه هذه الاحتياطات.
وأبرزت الهندسات المالية التي بدأها مصرف لبنان اعتباراً من العام 2016 تخبطه في إدارة احتياطاته واستنفاذه السياسات النقدية المتاحة، مما رتب عليه التزامات كبيرة تجاه المصارف وتسبب بشح الدولار الأميركي في الأسواق النقدية المحلية. علماً أن تخبط مصرف لبنان كان قد بدأ قبل الهندسات المالية مع ابقائه على سياسة تثبيت سعر العملة الوطنية من دون تعديل اعتباراً من العام 1997، ولا سيما أيضاً مع أسعار الفائدة المبالغ بمعدلاتها سواء بالنسبة لليرة اللبنانية أو الدولار الأميركي.
وما زاد في تعقيد الوضع المالي والنقدي، عجز حكومة حسان دياب عن تحديد التوجهات المالية والنقدية المناسبة إبّان الازمة من جهة، ومماطلة المجلس النيابي في إقرار قانون ضبط حركة رؤوس الأموال أو قانون الكابيتال كونترول من جهةٍ ثانية. الامر الذي سمح لمصرف لبنان أن يُدير سياسة الدولة المالية بما يتناسب مع سياساته النقدية من خلال تعاميمه واجراءاته ذات الصلة، ودون أنّ يأخذ بعين الاعتبار تداعيات هذه السياسات على الاقتصاد الوطني.
وقد شكل التعميم 148 الصادر بتاريخ 3 نيسان 2020 باكورة مغالطات مصرف لبنان وتناقضاته لجهة التفريق بين الودائع بالعملات الأجنبية بحسب تاريخ ايداعها قبل 31 تشرين الأول 2019 أو بعده، وميز بين المودعين وحقهم في السحب بحسب قيمة ودائعهم. وأحدث التعميم أسعار صرف متعددة اعتمدت رسمياً واختلفت باختلاف العمليات المصرفية، ما أدى الى ازدهار سوق الصرف الموازية وتوسع دورها. كما سمح التعميم بتحويل مدخرات المودعين بالليرة إلى الدولار الأميركي على “السعر الرسمي”، على أنّ يتم سحبها بالليرة اللبنانية وعلى “سعر السوق”.
أما التعميم 157 الذي أصدره مصرف لبنان بتاريخ 10 أيار 2021، تحت عنوان “إجراءات استثنائية حول العمليات على العملات الأجنبية”، فكان الهدف منه انشاء منصّة “صيرفة” للحد من تداعيات الظروف الاستثنائية التي أثّرت بشكل كبير على سعر صرف العملات الأجنبية. وفي الوقت الذي رأى بعض المراقبين في التعميم بداية جيدة للحد من ارتفاع سعر الصرف وتوحيده، بلغ هذا السعر على صيرفة خلال الــ 24 شهراً ونيّف قُرابة 86300 ليرة بعد أن كان 12 ألف ليرة، أما السعر في السوق الموازية فاستقر على 93500 ليرة بعد أن بلغ ما يزيد على 140 ألف ليرة.
في المقابل سمح التعميم رقم 158 الذي صدر بتاريخ 8 حزيران 2021، للمودعين بالسحب من ودائعهم بالعملات الأجنبية مبلغ 800 دولار شهرياً، نصفها نقداً بالدولار الأميركي والنصف الآخر بالليرة اللبنانية (بداية على سعر 12000 ليرة ومن ثم على سعر 15000 ليرة) نصفها نقداً والنصف الآخر في الحساب لإنفاقه على المشتريات بموجب بطاقة مصرفية. الامر الذي تضمن اقتطاعاً مباشراً من هذه الودائع تراوح بين 76 و92% من قيمة الودائع المسحوبة وفق التعميم.
مع العلم ان التعميم 158 حدد مبلغاً وقدره 50 ألف دولار أميركي حداً أقصى للمبلغ الذي يُمكن سحبه بموجب أحكام هذا التعميم على مدى عشر سنوات، وعلى أنّ ألا يتجاوز المجموع السنوي للسحوبات النقدية بالدولار الأميركي من كافة حسابات المودع في المصارف مبلغ الــ 4800 دولار اميركي لكل مودع.
بدوره تعميم مصرف لبنان الرقم 165 الصادر في 19 نيسان الماضي، أثار جدلاً واسعاً في الاوساط الاقتصادية والمصرفية، فاعتبر البعض أنه يُسّهَل عمليات تبييض الأموال، واعتبر بعضٌ آخر أنه يهدد بشطب الودائع القديمة فيما اعتبره البعض الآخر أنه يُمهد لقيام كيان مصرفي جديد. ويتعلق التعميم الجديد بعمليات التسوية الالكترونية للأموال النقدية والتحاويل الخارجية ويهدف الى فتح حسابات جديدة بالدولار الأميركي والليرة اللبنانية وتنظيم العمل بالشيكات النقدية من أجل استخدامها لتسوية التحاويل المصرفية والالكترونية الخاصة بالأموال النقدية وتسوية مقاصة الشيكات.
يأتي التعميم الأخير في وقتٍ انعدمت فيه الثقة بإجراءات وتعاميم مصرف لبنان، بعدما عجز عن حفظ حق المودعين في الحصول على ودائعهم التي تآكلت قيمتها بفعل انهيار العملة الوطنية والقيود المجحفة على السحوبات وربطها بسعر استنسابي للدولار الاميركي. وانعدام الثقة بمصرف لبنان لم تقتصر على المودعين وحسب بل شملت أصحاب المصارف الذين يُحملونه مسؤولية احتجاز أموالهم (أموال المودعين) واقراضها للدولة اللبنانية.
ويهدف التعميم الى إحياء دور المصارف بعدما اقتصر دورها اليوم على تصفية ما تبقى من ودائع المودعين الذين ينحسر عددهم يوماً بعد يوم، وتنفيذ عمليات صيرفة التي أصبحت حكراً على كبار التجار بالإضافة الى تلقي التحاويل الخارجية. الامر الذي أدى الى تراجع مداخيل المصارف من عملياتها المختلفة لتقتصر على عمولات محدودة تتقاضاها مقابل خدماتها المشار اليها أعلاه، في الوقت الذي لا زالت فيه تكاليفها التشغيلية مرتفعة على الرغم من اقفال معظم فروعها والاستغناء عن عدد كبير من موظفيها.
وما يُحتم إعادة النشاط الى القطاع المصرفي، اشراف هذا القطاع برمته على اقفال ابوابه بعد أن فضلت المصارف حماية أموالها الخاصة وفرطت بحقوق المودعين واخلت بالأمانة التي أوكلت اليها. ما أدى الى خسارة المصارف لقدرتها على اجتذاب الودائع من ناحية ولدورها في تسليف الأنشطة الاقتصادية والافراد من ناحية ثانية، الامر الذي جعل من التداول النقدي واقتصاد الكاش الحل شبه الوحيد المتاح لتسوية المدفوعات بين الجهات الاقتصادية المختلفة.
وتقضي المسؤولية الوطنية التعاطي بموضوعية مع التعاميم والإجراءات التي يتخذها مصرف لبنان، بغض النظر عن المآخذ المتعددة على السياسات النقدية التي اعتمدها حتى اليوم. ذلك أن المصلحة العامة تستوجب الاستفادة من أي تعميم يُمكن ان يُساهم في إيجاد حلول مناسبة لتعثر القطاع المصرفي، خاصةً وأن استعادة النشاط الاقتصادي لحيويته السابقة يتوقف على قيام القطاع المصرفي بدوره في استقطاب الودائع وتمويل الاستثمارات وتسديد المدفوعات.
والمأزق الذي يُراوح فيه الاقتصاد اللبناني بكافة قطاعاته يتطلب عمل دؤوب ولسنوات قادمة للنهوض من كبوته، واستعادة الثقة بالقدرة على النهوض يجب أن تتم مواكبته من قبل القطاع المصرفي بإجراءات عملية تفتح كوة في الجدار الذي أقامته المصارف حول نفسها والعودة الى رحاب الاقتصاد الوطني قبل ان تتسلل اليه المصارف الأجنبية. ذلك أن الطبيعة تكره الفراغ وتخلف المصارف الوطنية عن القيام بدورها يستدعي وجود البدائل محليةً كانت ام اجنبية، اما بالنسبة لمصرف لبنان فلعل التعميم الأخير يفتح الباب امام مزيد من التعاميم التي تعيد الثقة الى دور هذه المؤسسة الوطنية وتؤمن الانتقال الآمن لحاكميته الى نائب الحاكم الأول بانتظار تعيين حاكم جديد.

عن الكاتب

المزيد من المقالات

التاريخ