
بقلم عماد الدين أديب
”اساس ميديا”
أحياناً يكون التقسيم هو المؤامرة، والتوحيد هو الحلّ.
وأحياناً أخرى يكون اللاتقسيم هو المؤامرة، والتقسيم هو الحلّ الطبيعي والمنطقي حينما يحدث تفاوض غير قابل للوصول إلى حلّ، وتصادم غير قابل للحسم، وصراع مستمرّ غير قابل للتسوية النهائية. والتقسيم في معجم اللغة هو: «التجزئة والتفريق أو التوزيع والتقطيع والفرز».
الأزمة الآن التي تجعل مافيات السياسة اللبنانية تفكّر جيّداً في «اللاتقسيم» هي حقول الغاز قبالة السواحل اللبنانية.
هذه هي الثروة العامّة الوحيدة «الطازجة» التي لم يتمّ نهبها منذ عام 1943 وتطبيق محاصصة الفساد عليها.
«شفطت» هذه المافيات الموانئ والمرافئ والكسّارات والمصارف والكهرباء والمولّدات والسدود والمازوت والبنزين والمقاولات والأدوية والاستيراد وأيّ منتج أو خدمة على أرض لبنان، بعد الصراع عليها واستغلالها والسمسرة عليها.
الإستقواء بالخارج «المذهبي»
مصالح النخبة الحاكمة هي أساس الصراع الطائفي، وليست الطائفية هي أساس الصراع السياسي. المشترك الوحيد، وأكرّر الوحيد، الذي يجمع ساسة لبنان من سنّيّ وشيعيّ ودرزيّ إلى مسيحي، ومن ديني إلى علماني، هي جمع ثروات من الفساد السياسي.
لا يوجد ما يمكن تسميته أو توصيفه بـ»حالة الولاء الوطني المطلق للوطن».
يقول الجميع بلا استثناء: «لبنان أوّلاً»، لكنّهم فعليّاً يضعون لبنان أخيراً في ترتيب أولويّاتهم.
الجميع ولاؤه الأساسي لقوة إقليمية أو دولية يستقوي بها ويحمي شبكة الفساد التي يديرها.
يبدأ الاستقواء من واشنطن وباريس ويمتدّ إلى طهران والرياض، وهذا لا يمنع وجود عمليات دعم موسمية كانت تأتي في السابق من عراق صدّام أو ليبيا القذافي أو قطر الشيخ حمد.
ما أسوأ استخدام الرموز الدينية في معارك فساد سياسي لإقناع العامّة والجهلاء شعبويّاً أنّها معركة دفاع عن كرامة الدين والمذهب.
هكذا تتصارع أسماء ورموز من «محمّد» إلى «عيسى»، ومن السيّدة «مريم» إلى السيّدة «فاطمة الزهراء»، ومن «الحسين» إلى «مار شربل»، وتصبح مواقع جغرافية مراكز للقداسة من الفاتيكان إلى قم، ومن مكّة إلى بكركي.
لا يعود الانقسام في لبنان، في رأيي المتواضع، إلى خلاف ديني أو صراع مذهبي أو بسبب الاعتقاد أنّ محمداً عليه أفضل الصلاة والسلام هو الصواب المطلق، أو عيسى عليه السلام قام بفداء البشرية، أو عليّاً رضي الله عنه أفضل من الخليفة معاوية.
لا والله!
إنّه صراع سلطة بامتياز من أجل التمكّن من مفاصل الدولة كي يتمّ نهب ثرواتها وحماية مكاسب الفساد.
هناك تعدّدية يمكن أن تثري المجتمع، إلا أنّ النخبة في لبنان ليست لديها ثقافة واحدة وقيم وطنية واحدة.
«العدوّ» عند البعض هو إسرائيل، فيما يرى البعض الآخر أنّ العدوّ هو سوريا وإيران.
الحليف عند البعض في طهران ودمشق وفنزويلا وغزّة، وعند البعض الآخر في الرياض والدوحة وباريس وواشنطن.
المسألة ليست اختياراً طائفياً بقدر ما هي خيار استراتيجي مصلحيّ مواجهاتي بامتياز، وهذا ما أكّده سماحة السيّد الأمين العام لحزب الله أخيراً.
يرى البعض أنّ قرار الحرب والسلام هو قرار الدولة، والبعض الآخر يرى أنّه قرار الحزب.
يرى البعض أنّ أمن البلاد والعباد في لبنان هو من مسؤولية الجيش الوطني النظامي، بينما يرى البعض أنّ المقاومة هي الحامية للأمن القومي.
يرى البعض أنّ العلاقات مع المنطقة يجب أن تعتمد على دول الخليج، بينما الآخر يرى أنّ التحالف يجب أن يكون مع قوى الممانعة في طهران، دمشق، غزّة وصنعاء.
ثار أخيراً جدل لدى حزب الله وأنصاره عنوانه «لا تشبهني»، بمعنى أنّ منظومة خيارات هؤلاء إنسانياً وسياسياً واستراتيجياً وثقافياً لا تشبه خيارات الفريق الآخر من المجتمع.
نحن نتحدّث عن مجتمع فيه جذور لثقافات وآثار احتلالات تاريخية، إذ كان لبنان وطناً للفينيقيين والآشوريين والفرس والإغريق والرومان والعرب والصليبيين والعثمانيين والفرنسيين، ويسيطر عليه الآن الإيراني والسوري، وتوجد مصالح نفطية لشركات عملاقة من فرنسا وإيطاليا وروسيا.
على الرغم من أنّ المادة 11 من الدستور اللبناني تنصّ على أنّ اللغة العربية هي اللغة الوطنية الرسمية، «إلا أنّ الفرنسية والإيطالية والإنكليزية والفارسية والأرمنية تستخدم في مدارس وجامعات ومناطق».
التقسيم كعلاج تاريخي
يوغوسلافيا حاول جوزيف بروز تيتو أن يوحّدها ويخلق منها دولة مستقلّة تدير أمّة موحّدة منذ العام 1945. كانت مساحتها 255,804 كلم، وتعداد سكانها 107 ملايين نسمة.
لم تستطع تحت زعامة تيتو ولعشرات السنين أن تجمع العمران والأديان والأجناس المتناقضة والمتناحرة.
لم يتمكّن الصربي والكرواتي وسكّان الجبل الأسود والبوسنة والهرسك ولا سكان سلوفينيا وكوسوفو ومقدونيا الشمالية أن يتعايشوا، بل سرت بينهم حروب دموية طاحنة.
وكان التقسيم الكامل هو الحلّ!
شكل المجتمع، والأهداف العامّة للوطن وللرعيّة تختلف عند سماحة السيد عن غبطة الكاردينال وفضيلة شيخ دار الفتوى.
إنّنا أمام حالة شبيهة بالحالة اليوغوسلافية التي فشل بها مشروع تيتو.
الطريق إلى حلُّ أزمة لبنان جاء في رسالة الإرشاد الرسولي بعد اجتماع السينودوس السادس للفاتيكان الذي دعا إلى «دولة مدنية منفتحة على العالم، فيها مواطنة متساوية كنموذج للتعايش بين كلّ الأديان والطوائف بلا تفرقة». نصّت أيضاً هذه التوصية التاريخية على ضرورة أن ينسجم لبنان مع بيئته ومحيطه العربي.
لبنان المنفتح على العالم، المتعدّد الثقافات، الغنيّ بالطوائف، لا يمكن أن يخرج أبداً من وجهه العروبي.
حافظوا على عروبة لبنان المستقلّة وليس العروبة التابعة أو أيّ ولاء تابع.
The post لبنان: «تقسيم الضرورة»! – 2 appeared first on جريدة الشرق اللبنانية الإلكترونيّة – El-Shark Lebanese Newspaper.