غيّب الموت اليوم في مدينة سيدني الأسترالية الفنان اللبناني غسان الحريري، أحد أعمدة المسرح والسينما المستقلة في لبنان والمهجر، عن عمرٍ أمضاه مخلصًا للفن والثقافة، متنقلاً بين قريته وجب جنين وبعلبك، ثم بيروت وسيدني، حاملاً معه المسرح على كتفيه وكاميرا السينما في قلبه.
ولد غسان الحريري في البقاع، وكان منذ بداياته فتىً هادئ الطباع، بوجهه الطفولي وابتسامته الوديعة. بدأ رحلته الفنية في العام 1966 من بلدة جب جنين بإخراج مسرحية “مكبث” لشكسبير، تلاها “دون جوان” لموليير، محققًا نجاحات لافتة في قُرى البقاع الغربي، قبل أن ينتقل إلى بعلبك ليؤسس هناك أول فرقة مسرحية في المدينة بالشراكة مع الكاتب يحيى حمود، تحت اسم “فرقة بعلبك للمسرح”.
في بعلبك، أصبح المسرح رسالة وهوية. قدم الحريري خلال سنوات قليلة عددًا من المسرحيات الجريئة والواقعية التي ناقشت قضايا الناس، منها “محاكمة تحت التراب”، “المؤود”، “عودة الروح”، “انتخابات وفلافل”، “تلال النوم”، و”هايل هتلر”. وكان بصدد تقديم عمل جديد بعنوان “السرغوث” عام 1975، لكن اندلاع الحرب اللبنانية أوقف النشاط الفني، وبدأت مرحلة جديدة في حياته.
مع انتقاله إلى بيروت، ثم استقراره في سيدني عام 1988، لم يغب المسرح ولا الكاميرا عن يومياته. في العاصمة اللبنانية كتب أولى تجاربه السينمائية “الممر الأخير”، بالشراكة مع يحيى حمود وبطولة فؤاد شرف الدين، تبعه بعدة أفلام منها “القرار”، “قفزة الموت”، “المجازف”، “عودة البطل”، و“المتوحشون”، كلها قدمت وسط الأزمات والحروب، وكأن السينما كانت خيمته في العاصفة.

كما كتب سيناريو فيلم “حبي الذي لا يموت” من بطولة الراحل ملحم بركات، هلا عون، وداليدا رحمة، وأخرج فيديو كليبات لعدد من النجوم العرب، من بينهم وليد توفيق، عاصي الحلاني، وجورج الراسي.
في أستراليا، لم يتوقف نشاطه. أعاد تقديم أعماله المسرحية في سيدني بتعديلات تناسب واقع الجالية، وأسس “محترف بعلبك للمسرح”، إصرارًا منه على حمل اسم مدينته في كل مكان. كتب وأخرج عدة مسرحيات، أبرزها “يا ريتو ما مات”، “بكتيريا بالكفتيريا”، و”لوين رايحين”، التي وصلت إلى مبنى البرلمان الأسترالي بحضور رسمي واسع، حيث تم تكريمه من قبل عدد من الوزراء والنواب.
رغم النجاحات، بقي غسان الحريري وفيًّا لهويته الأولى: المسرح اللبناني الشعبي. وقد غرس شغف الفن في نفوس العشرات من الشبان والشابات البعلبكيين الذين عملوا معه، واعتذر دائمًا عن ذكر أسمائهم “لكثرتهم”.
لم تُنصفه مدينة بعلبك تكريماً كما فعلت سيدني، لكن اسمه بقي محفورًا فيها، يردده كل من عمل معه أو تأثر به. صحته خانته في السنوات الأخيرة، فتراجع حضوره الفني، لكنه لم يخفت أبدًا في ذاكرة محبيه.
غسان الحريري، العازف الذي شدى لعبد الحليم وأم كلثوم، وكتب أغنية “حبك خلاني سهران ليالي”، غادرنا اليوم… لكن صوته ما زال يتردد على خشبات المسارح، وفي أشرطة الأفلام القديمة، وفي قلب كل من آمن بالفن رسالة وموقفًا.
رحل غسان الحريري… وبقي المسرح واقفًا، يصفق له.