في خضم التحديات التي يواجهها الوطن في ظل التحولات المتسارعة على الساحة الدولية، تأتي كلمة جلالة الملك في خطابه الأخير لتبرز الأبعاد الاستراتيجية التي تعكس اهتمامه البالغ بالمغاربة المقيمين في الخارج. ليس فقط لأنهم قوة اقتصادية ودبلوماسية، ولكن لأنهم يشكلون جزءًا لا يتجزأ من النسيج الوطني، يحملون في قلوبهم شغفًا لا يُضاهى للوطن وحرصًا على الدفاع عن وحدته الترابية.
أشاد جلالة الملك، في هذا السياق، بروح الوطنية التي يتحلى بها المغاربة المقيمون في الخارج، وبدورهم الحيوي في المساهمة في التنمية الاقتصادية والاجتماعية للمملكة، لافتًا إلى أن المرحلة الحالية تتطلب استمرارية تضافر جهود الجميع، من أجل تعزيز وتثبيت دعائم هذا الوطن الذي يتسع لجميع أبنائه.

إن الوعي الملكي بأهمية الجالية المغربية بالخارج يتجسد في القرار الاستراتيجي الذي أعلن عنه جلالته، والذي يهدف إلى إحداث تحول كبير في طريقة تدبير شؤون هذه الجالية. هذا التحول لا يقتصر على إصلاح الهيكل الإداري، بل يمتد إلى تأسيس إطار مؤسساتي جديد يعكس حاجة الجالية المغربية المعاصرة إلى تنسيق أكثر فاعلية واستجابة أسرع لحاجياتها المتجددة.
مجلس الجالية المغربية بالخارج: إحياء دور المواطنة العالمية

في هذا الصدد، يكتسب مجلس الجالية المغربية بالخارج مكانة مركزية في هذا التحول. ففي خطاب جلالته، نقرأ الدعوة لتسريع إخراج القانون الجديد الذي سيحدد صلاحيات المجلس، ويمنحه دورًا أكبر كمؤسسة دستورية مستقلة. هذه الخطوة تمثل فرصة حقيقية للمغاربة المقيمين في الخارج للعب دور أكبر في التعبير عن قضاياهم، وتقديم اقتراحات بنّاءة تساهم في تعزيز استقرار المملكة ونموها.
إن السرعة التي سيتم بها تنفيذ هذا القانون ستكون بمثابة اختبار حقيقي لمدى جدية الدولة في تفعيل حقوق الجالية، وبالتالي فإن نجاح هذه المبادرة سيكون انعكاسًا لقوة العلاقة بين الوطن وأبنائه في المهجر.
المؤسسة المحمدية للمغاربة المقيمين بالخارج: تجميع الصلاحيات وتنسيق الجهود

لكن، لا يقتصر الخطاب الملكي على الإشادة والمباركة، بل يقدم رؤية واضحة لما يجب أن تكون عليه المرحلة القادمة. فالمؤسسة المحمدية للمغاربة المقيمين بالخارج ستكون بمثابة الذراع التنفيذي للسياسة العمومية في هذا المجال، حيث ستعمل على تجميع الصلاحيات المبعثرة وتنسيق الجهود التي كانت تفتقر إلى التناغم المطلوب. مهمتها ستكون حاسمة في صياغة استراتيجية وطنية للمغاربة المقيمين بالخارج، وتفعيلها بما يضمن أن تظل هذه الجالية دائمًا على تواصل حيوي مع وطنها.
كما أن هذه المؤسسة الجديدة ستسهم بشكل كبير في تجميع الخبرات والكفاءات المغربية المنتشرة في شتى أنحاء العالم. فمن خلال “الآلية الوطنية لتعبئة كفاءات المغاربة المقيمين بالخارج”، ستكون لدينا فرصة ذهبية للاستفادة من مواهب مغاربة المهجر، ودعم المشاريع والمبادرات التي يمكن أن تشكل نقطة تحول كبيرة في مسيرة التنمية الوطنية.
الاستثمار في المستقبل: تعزيز الاقتصاد الوطني

ومن جانب آخر، تشدد المؤسسة المحمدية على ضرورة زيادة استثمارات المغاربة المقيمين بالخارج في وطنهم، وهي خطوة تفتح آفاقًا واعدة أمام الاقتصاد الوطني. وفي هذا السياق، يرى جلالة الملك أن المساهمة الحالية لا تتناسب مع الإمكانات الكبيرة التي يمتلكها أفراد الجالية. فاستثماراتهم، التي تقتصر حاليًا على حوالي 10% من إجمالي الاستثمارات الخاصة في المغرب، يمكن أن تشهد قفزة نوعية إذا تم تذليل الصعوبات التي تواجهها هذه الجالية في هذا المجال.
من خلال دعم الابتكار والتسهيلات المالية، سيتاح للمغاربة في المهجر الفرصة لإحداث تغيير اقتصادي يساهم في خلق فرص عمل جديدة ويساهم في تحسين الوضع الاجتماعي والاقتصادي داخل المملكة.
التحديات المستقبلية: الرقمنة وتبسيط الإجراءات
وفيما يتعلق بالتحولات التقنية والإدارية، يولي جلالة الملك أهمية خاصة لموضوع الرقمنة، الذي يُعد أحد أبرز التحديات التي ستواجه المؤسسة المحمدية للمغاربة المقيمين بالخارج. فتبسيط الإجراءات الإدارية والقضائية، خاصة تلك التي تهم أبناء الجالية، يمثل خطوة ضرورية لتسهيل حياتهم اليومية وضمان معاملاتهم مع المؤسسات المغربية بشكل سريع وفعال. هذا التوجه من شأنه أن يساهم في تقوية العلاقة بين مغاربة الخارج ووطنهم، ويعزز من احترامهم وتقديرهم للدور الذي تلعبه الدولة في تيسير شؤونهم.
الرسالة التي تحملها الجالية المغربية في الخارج
إن الخطاب الملكي الأخير ليس مجرد رسالة إلى الجالية المغربية في الخارج، بل هو دعوة صادقة إلى تجسيد فكرة المواطنة العالمية التي تتجاوز الحدود الجغرافية. إن مغاربة المهجر لا يمثلون فقط قوة اقتصادية، بل هم سفراء دائمون لوطنهم في مختلف أنحاء العالم. وعليه، فإن نجاح هذه الاستراتيجيات سيعتمد بشكل أساسي على قدرة الجالية المغربية على الانخراط الفعلي في بناء الوطن، وعلى استعداد الدولة لفتح أبواب التعاون والتنسيق بشكل أوسع.
وبصفتي كمغربية مقيمة في أستراليا، أرى أن هذه الخطوة الملكية تشكل فرصة ذهبية لكل مغربي يعيش في المهجر لكي يساهم بشكل أكبر في بناء وطنه. وأنا على يقين أن مغاربة العالم، بما يتمتعون به من إصرار وعزيمة، قادرون على أن يكونوا جزءًا من هذا التغيير الإيجابي، وتحقيق الأهداف الكبرى التي يسعى إليها المغرب.