كتب عوني الكعكي:
لم تُفِق إسرائيل من هول الصدمة بعد الصفعة التي وجهتها إليها «حماس»… ولا تزال صحفها ومؤسّساتها منكبّة على تحليل خلفيات الهجوم المباغت… واتفقت معظم التعليقات الاسرائيلية على أنّ ما قامت به المقاومة الفلسطينية يُعتبر بحق، كارثة إسرائيلية مروّعة، إذ فشلت الدولة بقيادة رئيس الوزراء بنيامين نتانياهو و»جيش الدفاع الاسرائيلي» بشكل مُذْهِل في حماية مواطنيها.
ولا يمكن المبالغة في تقدير حجم وقوّة موجات الصدمة المدويّة لهجوم يوم السبت، السابع من الشهر الحالي على إسرائيل.
وأُعيد الى الذاكرة ما كتبته صحيفة «هآرتس» التي نشرت مقالاً بعنوان «7 أكتوبر 2023 تاريخ سيبقى عاراً على إسرائيل» كتبه الديبلوماسي والكاتب الاسرائيلي ألون بينكاس، وإلى ما نشرته صحيفة «يديعوت أحرونوت» بعنوان «فشل ذريع لإسرائيل»، وقارنت عملية «طوفان الأقصى» بينها وبين حرب «يوم الغفران» عام 1973.
والأنكى من هذا كله، ان افتراض الجيش الاسرائيلي في السنوات الأخيرة الماضية هو ان «حماس» تمّ ردعها عن تنفيذ هجمات كبيرة في إسرائيل خوفاً من قوة الرد الاسرائيلي وخشية إغراق غزة في دمار متجدد… ومن الواضح أنّ ما أعقب هجوم «حماس» واجتياح غلاف غزة، أثبت ان هذا الافتراض لا أساس له من الصحة… فقد انتصرت «حماس» في معركة نفسيّة كبرى، ستبقى ذكراها خالدة الى الأبد.
ورغم كل هذا الشرخ الكبير الذي أحدثته «حماس» داخل الكيان الصهيوني يقف نتانياهو ويتوعّد بسحق «حماس» وإزالتها من الوجود، من خلال ردّ سيكون هو الأعنف هذه المرّة، يسانده في أوهامه وأحلامه وزير دفاعه يوآف غالانت الذي يفرض حصاراً كاملاً على قطاع غزة…وهنا أتساءل: هل «حماس» هي كل الشعب الفلسطيني؟ بالتأكيد لا… لذا فإنّ ما يحلم به نتانياهو وهو القضاء على «حماس»، وهذا مستبعد جداً ومستحيل، لأنّ «حماس» تجذّرت في نفوس الفلسطينيين كافة، وستظل شعلة «حماس» مشتعلة ومتّقدة داخل كل أبناء الشعب الفلسطيني المنكوب والمظلوم والمقهور.
وعلى ما يبدو فإنّ ما هدّدت به إسرائيل من اجتياح للقطاع وإزالة «حماس» مستبعد جداً للأسباب التالية:
أولاً: هناك عقبات كثيرة تحول دون تنفيذ هذا الاجتياح، من بينها أنه تمّ تجربة ذلك في الحروب السابقة ولم ينجح.
ثانياً: إنّ الأعداد الكبيرة للمخطوفين الاسرائيليين لدى «حماس» و»الجهاد الاسلامي»، ستكون عقبة حقيقية أمام أي اجتياح واسع. وللمناسبة أقول إنّ كذب بايدن ونتانياهو من تعذيب للأسرى الاسرائيليين واغتصاب النساء وقطع رؤوس الأطفال كشفته المصادر الغربية نفسها من خلال تراجع بايدن، ومن خلال ما صرّحت به الأسيرتان الاسرائيليتان الأميركيتان بعد إطلاق سراحهما، حين أشادتا بالمعاملة الرائعة وعدم الإساءة إليهما أبداً.
ثالثاً: هناك حال من الصدمة والارتباك في الداخل الاسرائيلي، بالنظر لحجم العملية التي شنّتها «حماس». هذا الارتباك -كما أعتقد- سيبقى قائماً.
رابعاً: ما يعزّز قولي بالأدلة والبراهين ما صرّح به أمس ضابط المخابرات الأميركي الأسبق سكوت رايتر الذي أعلن بكل وضوح، وبصراحة تامة خلال مؤتمر عقده «بالصوت والصورة» ان الاسرائيليين الآن خائفون حتى الموت، وأنّ جنود الاحتياط الذين استدعتهم الحكومة العبرية وعددهم يزيد على 360 ألف جندي غير مدربين، بل كانوا خلال خدمتهم يعملون كأفراد شرطة في مدن الضفة الغربية من فلسطين وهم يتمنعون اليوم من الالتحاق بالخدمة خشية مواجهة «حماس» التي أعدّت لهم، حسب قول مسؤوليها، «قبوراً» في القطاع لن تتسع لجثث قتلاهم إذا ما تجرّأوا على دخول غزة أرض الأبطال والمقاومين المدربين المزوّدين بقناعة تامة بأنهم يريدون استرجاع وطنهم.
خامساً: إنّ تهديدات نتانياهو بسحق «حماس» إذا لم تستسلم فتحت باب التساؤلات بشأن الطريقة التي سيتمكن بها نتانياهو ودولته العبرية من تنفيذ وعده ووعيده.
سادساً: على الرغم من ان سيناريوات الرد الاسرائيلي وما تبعه من تهديدات مفتوحة على احتمالات كثيرة، إلاّ أنّ اجتياحاً برّياً واسعاً لقطاع غزة سيبقى أقل هذه الاحتمالات، على الرغم من التصريحات الاسرائيلية والأميركية التي تؤكد ذلك… وأظن هنا أنّ تهويل نتانياهو بسحق «حماس» وإزالتها، ليس سوى «فقاعات» صابون لسببين: أولهما ردّ الاعتبار إليه وإلى جيشه ومخابراته وحكومته التي أُهينت باعتراف الجميع… وثانيهما، رغبة نتانياهو في استثمار الحدث بالحصول على مساعدات أميركية، وهو طلب بالفعل قنابل ذكية بالإضافة لمنظومات صواريخ تعزّز القبّة الحديدية.. وبالتأكيد فإنّ بايدن «كريم جداً» مع إسرائيل، وأبواب مخازن أسلحته مفتوحة مجاناً.
سابعاً: استدعاء جنود الاحتياط مشكلة كبيرة بالنسبة لإسرائيل، لأنّ هؤلاء يعملون في قطاعات مدنية مختلفة، صناعية وزراعية وخدماتية، ومن شأن انقطاعهم عن العمل مدة طويلة، الإضرار بالقطاعات التي يعملون فيها، كما يعكس هذا العدد الكبير من جنود الاحتياط (360 ألفاً)، هاجس الأمن القومي الاسرائيلي الذي بموجبه تسعى إسرائيل الى أن تكون أمّة مسلحة، ما يعني ان المدنيين الاسرائيليين القادرين على حمل السلاح من الجنسين ملزمون بالمشاركة في الحرب، إذا تطلّب الأمر ذلك.. ولا يستثنى من ذلك سوى المتدينين.
ثامناً: حسب موقع «غلوبال فاير باور» الاميركي فإنّ عدد القوات الاسرائيلية العاملة يبلغ 173 ألف عسكري فقط، في حين يبلغ عدد قوات الاحتياط 465 ألف عسكري.. وهذا يعني ان تلّ أبيب استدعت في هذه الفترة ثلاثة أرباع قوات الاحتياط في جيشها لمواجهة قطاع غزة الذي لا يتجاوز عدد سكانه 2.2 مليون نسمة.
خلاصة القول، إنّ تلّ أبيب التي تلقت ضربة أصابت هيبتها في مقتل، وبدّدت صورتها كقوة ردع لا يُشقّ لها غبار، تحتاج الى أن تسترد هيبتها ومكانتها كقوة ردع إقليمية. وهذا ما يفسّر التدخل الغربي المفرط المتجسّد بحاملات الطائرات، وفتح مخازن الاسلحة في واشنطن. ويرى محللون أنّ هذه الحرب تختلف عن سابقاتها من الحروب التي شنّها الاحتلال الاسرائيلي في فلسطين والمنطقة، ولن نتناسى التصريحات العديدة التي تعكس رغبة إسرائيل في تهجير سكان قطاع غزة واحتلاله والقضاء على «حماس» وجناحها العسكري وبقية فصائل المقاومة الفلسطينية وعلى رأسها «حركة الجهاد الاسلامي» التي تقف بحزم مع «حماس».
بيد ان هذا السيناريو يتطلب معجزة في ظل حرب مدن وشوارع، وبخاصة ان نظرية الحروب التي تحسم جوّاً أثبتت فشلها في لبنان وفي غزة خلال 20 عاماً.
إنّ قدرة المقاومة الفلسطينية على الصمود، أكبر من قدرة جيش الاحتلال على ذلك. ففي الحروب البرّية التي خاضتها إسرائيل ضد غزة انتهت بهزيمتها واضطرارها للانسحاب تحت ضربات المقاومة الموجعة، وحساسية جيش وشعب الاحتلال للخسائر البشرية.
باختصار شديد، ان توغّل إسرائيل داخل مدن وأحياء غزة من شأنه رفع التكلفة البشرية للحرب وإطالة زمنها، لأنّ التوغل سيضع قوات ومدرعات الجيش الاسرائيلي في مدى أسلحة المقاومة الفلسطينية.
وفي الختام، فإنّ ما يشترطه نتانياهو من استسلام «حماس» لايقافه الحرب، ضربٌ من الوهم ومن سابع المستحيلات… فهلاّ يسمع لنداء العقل ويهرع الى طاولة المفاوضات والموافقة على إعطاء الفلسطينيين دولتهم وعاصمتها القدس الشريف؟
The post شروط إسرائيل لوقف إطلاق النار appeared first on جريدة الشرق اللبنانية الإلكترونيّة – El-Shark Lebanese Newspaper.

