
وقفتُ على البيان الذي أصدرته، أمس، مجموعة من القضاة اللبنانيين، الذين ضاقت بهم سُبُلُ العيش جرّاء انهيار الليرة وتفاقُم الأزمة الاجتماعية المالية الاقتصادية التي تضرب لبنان بقوة، مع تصاعد تداعياتها على يوميات الناس، في معاناة العذاب والقهر والجوع، والقصور عن مواجهة تكاليف الحياة عموماً التي باتت فوق قدرة الأكثرية الساحقة من هذا الشعب المنكوب بقيادييه وسياسييه ومتولّي شؤونه بشكل عام.
وفي تقديرنا أن المسؤولية عن الحال الكارثية التي وصلنا اليها ليست وقفاً على الفاسدين واللصوص الذين سرقوا اللقمة من أفواه الناس، وسلبوهم نمطَ حياةٍ كان الازدهار والبحبوحة لحمته وسداه، إنما هي مسؤولية مشتركة بين أولئك المجرمين وكل مَن أسهم معهم مباشرة أو مداورة في عدم القيام بالواجب الوطني إنْ بالتستير عليهم أو بتغطيتهم أو بمشاركتهم «الزلع والبلع»، أيضاً القضاء الذي أهمل واجبه ازاء جرائمهم و «طوى الملفّات» التي تدينهم.
وإننا نرى، في هذا السياق، أن المسار القضائي عموماً، باستثناء عدد محدود من القاضيات والقضاة الذين قاموا بواجبهم، بالرغم من الضغوط والتهديدات المباشرة وشبه العلنية، يدعو الى الأسف الكبير قدْرَ ما يستثير الغضب حيناً والقرف في كل حين.
منذ ما قبل انفجار الأزمة الكبيرة، ونحن نرفع الصوت في «شروق وغروب»، وكما يقول المثل السائر «طلع الشعر على لساننا» ونحن نصرخ في هذه المساحة الحرّة، بأعلى الصوت، محذّرين من انتقائية القضاء وازدواجيته ومزاجيته، وخصوصاً من انحيازه وفقدان العدالة. الأمر الذي أطاح احتمالَ الوصول الى أحكام عادلة في جريمة المرفأ الكبرى، وفي المقابل في جرائم تجويع الناس واختلاس جنى أعمارهم.
بماذا يلوّح القضاة الذين أشرنا إليهم في مطلع هذا الكلام؟
إنهم يلوحون بالاعتكاف أقلّه للاعتبارات المعيشية التي نكرر أننا نؤيدهم فيها من حيث المبدأ، إلّا أننا كنا نتمنى أن يعتكف القضاة احتجاجاً على:
تدخل المسؤولين والسياسيين عموماً في شؤونهم.
واعتراضاّ على أنفسهم، لاسيما منهم أولئك الذين يتصرّفون كأن مرجعياتهم السياسية هي القانون وهي الاجتهاد وهي الفقه وهي العدالة والميزان.
ورفضاً للخلافات الحادة والمؤذية بين المقامات القضائية العليا. (الخ …). وأما الاعتكاف فهو «تحصيل حاصل». وإلّا تفضلوا وأعلمونا بالقضايا التي حسمها القضاء بالسرعة التي ليست تسرّعاً. وإذا أردتم الأدلّة، فاسألوا أصحاب القضايا العالقة في أدراج القضاة، ونحن منهم، أو استمعوا الى أي عابر سبيل.
The post شروق وغروب – بقلم خليل الخوري – اعتكاف المعتكفين appeared first on جريدة الشرق اللبنانية الإلكترونيّة – El-Shark Lebanese Newspaper.