
بقلم خيرالله خيرالله
يواجه العالم في 2023 سنة صعبة أخرى. يرجح أن تكون 2023 سنة أخرى مليئة بالأسئلة التي لا أجوبة عنها، أسئلة من نوع ما مصير فلاديمير بوتين بعد غرقه في الوحول الأوكرانية، بل ما مصير الإتحاد الروسي؟ يمكن الذهاب إلى أبعد من ذلك في ضوء ما خلفته الحرب الأوكرانيّة من أزمات بات معروفا كيف بدأت، لكنه ليس معروفا كيف ستنتهي أو هل ستنتهي.
اكتشف الرئيس الروسي متأخرا أن لعبة الإبتزاز التي مارسها في الماضي، في أماكن مختلفة من العالم، بينها سوريا، لا فائدة تذكر منها. مثل هذه الألاعيب ترتد عادة على صاحبها عندما يتعلّق الأمر بأوروبا. كيف يمكن لسياسي، يعتبر نفسه حاذقا، تجاهُل أن سقوط أوكرانيا سقوط لأوروبا كلّها؟ كيف يمكنه تصوّر أن أوروبا، ومن خلفها الولايات المتحدة، ستقف مكتوفة امام اجتياح روسيا لأوكرانيا في ضوء ما يعنيه ذلك من عودة إلى ممارسة نظرية «السيادة المحدودة» التي استعان بها ليونيد بريجنيف في عزّ الحرب الباردة لتبرير اجتياح تشيكوسلوفاكيا في العام 1968. فعل ذلك لوضع حدّ لأيّ رفض للهيمنة السوفياتيّة على أي من دول أوروبا الشرقيّة؟
يظلّ أخطر ما في الأمر أنّ الرئيس الروسي، بعد اقدامه على خياره الأوكراني، لم يترك امامه سوى خيار التصعيد. لا جدوى من هذا الخيار عندما يجهل المسؤول الأوّل والوحيد عن روسيا أنّ ليس في استطاعة البلد، الذي يقف على رأسه، اعتماد خيار التصعيد العسكري والسير فيه إلى النهاية. يحتاج مثل هذا الخيار إلى امتلاك قوّة بشريّة وصناعة عسكرية قادرة على تحمّل كلفة التصعيد ومتطلباته. لا يجهل فلاديمير بوتين ما يدور في العالم وموازين القوى فيه فحسب، بل يجهل أيضا ما يدور في روسيا نفسها. في مقدّم ما يجهله غياب الإستعداد لدى الشعب الروسي لخوض حرب طويلة وارسال أبنائه إلى جبهات القتال في ظروف أقلّ ما يمكن ان توصف به أنّها بائسة. ذهب الجنود الروس إلى الجبهات، فاكتشف العالم أنّ لدى روسيا جيشا في مستوى جيوش العالم الثالث في احسن الأحوال.
سيتوجب على العالم التعايش مع الحرب الأوكرانيّة وانعكاساتها طوال السنة 2023. كانت لهذه الحرب انعكاسات في مجالات عدّة، بينها الطاقة والغذاء، لكنّ ما لا يمكن تجاهله أيضا أنّ العالم يشهد حاليا حدثا من نوع آخر مرشحا لأن يترك بصماته على الشرق الأوسط والخليج وشبه الجزيرة العربيّة. إنّه الحدث الداخلي الإيراني. إذا كان الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلنسكي الذي صمد في وجه العدوان الروسي على بلده شخصية العام 2022 على الصعيد العالمي، فإنّ المرأة الإيرانيّة التي تقود ثورة على نظام إيراني اغرق بلدا ذا حضارة عظيمة في البؤس والتخلّف والعزلة والإبتعاد عن كلّ ما هو حضاري في هذا العالم، هي رجل العام 2022 في منطقتنا.
يظلّ أهمّ ما في هذه الثورة الإيرانيّة الجديدة أنّها باتت تشمل كلّ انحاء «الجمهوريّة الإسلاميّة» وكلّ شعوبها وكلّ قومياتها. تحولت الثورة إلى تعبير عن رفض لواقع أراد آية الله الخميني فرضه على الإيرانيين.
مع مرور الأيّام، يتأكّد العالم اكثر أن لا عودة إلى خلف في ايران. ليست هذه العودة واردة لسبب في غاية الوضوح هو اكتشاف الإيرانيين أنّه لم يعد في استطاعتهم العيش في ظلّ ثقافة الموت والحرمان. اكثر من ذلك، اكتشف الإيرانيون أنّ رهاناتهم على مسؤولين اصلاحيين، حتّى لو كانوا في موقع رئيس الجمهوريّة، لا تقدّم ولا تؤخر. راهنوا في الماضي على محمد خاتمي ثم على حسن روحاني. لم يتغيّر شيء. العلة في النظام الذي لا علاقة له بالحضارة الفارسية وحضارات الشعوب الإيرانيّة الأخرى المطلوب طمسها.
بين الأسئلة التي ستُطرح في السنة 2023، والتي ستبقى من دون أجوبة في المدى المنظور، تلك المرتبطة بتأثير الثورة الإيرانيّة التي تقودها المرأة. اربكت هذه الثورة النظام الذي يلجأ إلى العنف والقسوة في معظم الأحيان. يقتل النظام الذي يسيطر عليه «الحرس الثوري» ويسجن، لكنّ ليس في استطاعته إيجاد أي حل لأيّ مشكلة من المشاكل التي تعاني منها ايران. سبب ذلك اعتماده على الهرب من مواجهة الواقع الإيراني عن طريق الهرب إلى خارج «الجمهوريّة الإسلاميّة»، أي إلى نشر البؤس والتخلف في دول مثل العراق وسوريا ولبنان واليمن.
سيعني التغيير في ايران الكثير. سيعني الكثير أيضا للبلدان الأربعة التي التهمتها «الجمهوريّة الإسلاميّة» عن طريق ميليشياتها المذهبيّة. سيعني التغيير الذي سيحصل في ايران، وإن أخذ وقتا طويلا، الكثير أيضا وأيضا للمرأة العربيّة التي تراجع وضعها في عدد لا بأس به من الدول العربيّة منذ نجاح ثورة الخميني على الشاه في العام 1979…
ثمة عالم يتغيّر. غيرته حرب أوكرانيا في جانب معيّن وسيغيّره الحدث الإيراني الذي تقف وراءه المرأة، في جانب معيّن آخر. بدأ كلّ شيء بما تعرضت له الفتاة الكردية مهسا اميني في 16 أيلول – سبتمبر الماضي في طهران… يبدو أنّه ستكون هناك فصول أخرى لما بدأ بقتل شرطة الأخلاق لهذه الفتاة الكرديّة البريئة بسبب عدم وضعها الحجاب بالطريقة التي يفرضها النظام.
The post عالم حرب أوكرانيا والحدث الإيراني appeared first on جريدة الشرق اللبنانية الإلكترونيّة – El-Shark Lebanese Newspaper.