مهددة بالزوال، نحّاتة قطع لعبة ماهجونغ الأخيرة في هونغ كونغ توثّق الذكريات أيضًا
Spread the love

دبي، الإمارات العربية المتحدة (CNN)– تنكب هو ساو-مي، إحدى آخر نحاتات قطع الماهجونغ في هونغ كونغ على طاولتها الصغيرة تنحت بتأنٍ حرفًا صينيًا، أو بتلات زهرة على قطعة بلاستيكية بحجم طابع بريد. وتقول بصوت خافت: “نظري بدأ يضعف ويداي تؤلماني”. 

منذ أكثر من أربعة عقود، تمارس”هو” مهنتها من متجر ضيّق يقع على جانب طريق في حي “هونغ هوم”، أحد أحياء المرفأ القديمة في هونغ كونغ، والذي يشهد اليوم تحولات عمرانية سريعة مع صعود الأبراج السكنية الحديثة.

دخلت عالم نحت قطع الماهجونغ في سن الثالثة عشرة، متعلّمة المهنة على يد والدها الذي أسّس متجر العائلة “كام فات ماهجونغ” في العام 1962. وعلى مرّ السنوات، تلقت أيضًا تدريبات من عدد من الحرفيين الذين زاروا هونغ كونغ خلال ذروة نشاطها الصناعي في سبعينيات وثمانينيات القرن الماضيُ. 

تُعدّ لعبة الماهجونغ، الشبيهة بلعبة “الرومي”، من الألعاب الشعبية في الصين وبين المجتمعات الصينية حول العالم. فهي أكثر من مجرد لعبة، بل طقس ثقافي متجذّر، يتعلّمه الأطفال خلال لقاءات العائلة في رأس السنة القمرية، ويستمر كبار السن في ممارسته طوال العام.

هو ساو-مي تنقش قطع الماهجونغ في متجرها في هونغ كونغ.
هو ساو-مي تنقش قطع الماهجونغ في متجرها في هونغ كونغ.Credit: Noemi Cassanelli, CNN

كانت قطع الماهجونغ تُصنع يدويًا من الخشب أو العاج أو الخيزران، وتُقطّع وتُلمّع وتُنقش وتُلوّن بعناية. وفي ستينيات القرن الماضي، ازدهرت هذه الحرفة في هونغ كونغ، حيث كان يعمل بها أكثر من 20 نحاتًا إلى جانب وجود جمعية مهنية متخصصة.

لكن اليوم، باتت معظم القطع تُنتج بكميات كبيرة في مصانع الصين القارية، ولم يبقَ من الحرفيين التقليديين سوى قلّة قليلة. وفي العام 2014، أدرجت حكومة هونغ كونغ حرفة نحت قطع الماهجونغ ضمن “التراث الثقافي غير المادي”، في محاولة منها للحفاظ عليها ودعم الأبحاث حولها.

رغم ذلك، تبقى “هو ساو-مي” المرأة الوحيدة في المدينة التي تواصل هذه المهنة النادرة حتى اليوم.

يتم تكديس قطع الماهجونغ على طاولة لعب في هونغ كونغ.
يتم تكديس قطع الماهجونغ على طاولة لعب في هونغ كونغ.Credit: Noemi Cassanelli, CNN

حرفة تتطلب الدقة

تمرّ الحافلات الصغيرة وحافلات الطبقتين بسرعة أمام متجر “هو” الصغير الواقع أسفل درج في شارع بولكي. لا يتعدّى عرض المتجر مترين، وتملأه خزائن زجاجية تحتوي صورا قديمة وقطع ماهجونغ مكدّسة.

خلف مقعدها، يضيء مزار صغير بلون أحمر هادئ. تتبادل“هو” الأحاديث مع الجيران وكبار السن الذين تعرفت إليهم على مرّ السنوات، فيما يتوقّف بعض المارة لمشاهدتها فيما تنقش بحرفيّة في زاويتها الصغيرة.

تبدأ "هو" بنقش قطع الماهجونغ في الصباح.
تبدأ “هو” بنقش قطع الماهجونغ في الصباح.Credit: Noemi Cassanelli, CNN

رغم تغيّر الحي وازدهار الصناعة في الصين، لا يزال روتين “هو” كما هو. في كل صباح، تفتح متجرها وتبدأ عملها قبل الساعة العاشرة. تبلغ من العمر 68 عاماً، وتقول إنها تعمل حتى الظهر فقط، وتبتسم قائلة: “لو توقفت، سأشعر بالملل.

ترصّ قطع الباكالايت على صينية خشبية، وتستخدم أدواتها الدقيقة فوق خزانة زجاجية صغيرة تعتبرها مكتبها. يتكوّن طقم الماهجونغ من 144 قطعة، بأنواعها الأربعة ورموزها الخاصة مثل الزهور والتنانين.

بأدوات حادّة ويدٍ ثابتة، تنقش الحروف الصينية والرموز المعقدة بدقة عالية، وكأنها تقوم بعملية جراحية.

لمسات نهائية وألوان تقليدية

تنتقل “هو” إلى المرحلة ما قبل الأخيرة باستخدام عبوات طلاء قديمة تغيّرت ملصقاتها مع مرور الزمن.

تبدأ بتلوين قطع الماهجونغ بالأحمر والأخضر والأزرق، لتُبرز النقوش وتضفي عليها لمسة حياة. يستغرق إعداد طقم كامل يدويًا بين 10 و14 يومًا، ويُباع بسعر 245 دولارًا، لكن الطلبات لا تُسجّل بطريقة منظّمة، فلا نظام إلكتروني ولا تطبيقات.

تُعرض صور "هو" داخل متجرها.
تُعرض صور “هو” داخل متجرها.Credit: Noemi Cassanelli, CNN

يتواصل الزبائن عبر الهاتف، وغالبًا ما تُكتب التفاصيل على دفتر قديم ممزّق. وفي أحد الاتصالات، يتّصل رجل بريطاني ليسأل عن طقم زوجته، فيساعدها أحد العاملين على تقليب صفحات الدفتر للعثور على الاسم. تردّ “هو” بابتسامة: “سيكون جاهزًا الأسبوع المقبل، لافتة إلى أنّه لا يمكنها مجاراة كل الطلبات، فكل شيء يتوقف على الحظ والتوقيت،  وهي ليست آلة على حد تعبيرها.

بعد المكالمات، تتابع “هو” تلوين القطع وتتركها لتجف حتى بعد الظهر، ثم تبدأ بإغلاق المتجر. وتضحك قائلة: “ما زلت امرأة، وعليّ شراء الحاجيات وإدارة المنزل“. في البيت، تُعدّ الغداء والعشاء، تشاهد  التلفاز، وتحاول إراحة يديها اللتين بدأتا تتعبان أكثر من أثر السنين.

صناعة  مهدّدة بالزوال

منذ التسعينيات، تغيّر دور هونغ كونغ من مركز صناعي إلى مركز مالي، وانتقلت صناعة أطقم الماهجونغ إلى الصين، حيث تُباع بعض الأطقم الجاهزة بسعر لا يتجاوز 10 دولارات.

قريباً من متجر “هو”، يوجد صالون مرخّص للعب الماهجونغ، لكنه يستورد الأطقم من الصينوتقول “هو” إنها كانت تلعب الماهجونغ كثيراً مع أشقائها، لكنها الآن مشغولة ولا تجد الوقت. أحياناً تتلقى دعوات من أصدقاء، لكنها نادراً ما تقبل.

تعتقد أن الناس سيستمرون في لعب الماهجونغ، سواء باستخدام أطقم جديدة أو قديمة. أما تعليم الآخرين الحرفة، فهي لم تفكر بالأمر من قبل، رغم طلبات كثيرة من فنانين وجهات ثقافية. وتقول: “لا أحب التعليم، أفضل أن أعمل على راحتي. .

 "طاولات داخل غرفة مخصّصة للعب الماهجونغ في الحي نفسه الذي يقع فيه متجر "هو
“طاولات داخل غرفة مخصّصة للعب الماهجونغ في ذات الحي الذي يقع فيه متجر “هو Credit: Noemi Cassanelli, CNN

وتضيف: “كل سنة يزورني طلاب وصحفيون. هذا يساعد الناس على تذكّر أن هذه الحرفة القديمة بدأت تندثر“. وتختم بالقول: “لا أعرف إلى متى سأستمر، لكن طالما أنني أستطيع حمل الأدوات، سأواصل العمل“. 

وفي اليوم التالي، تعود إلى مكانها وتبدأ من جديد، تنقش كل قطعة بيدها، واحدة تلو الأخرى.

التاريخ

عن الكاتب

المزيد من
المقالات