محمد ماء العينين… ذاكرة حيّة للتاريخ الوطني ورمزٌ للدبلوماسية المغربية الرصينة
Spread the love

في وداع محمد ماء العينين، لا نرثي رجلًا رحل، بل نودّع جيلًا من رجالات الدولة الكبار الذين حملوا المغرب في قلوبهم أينما حلّوا، وجعلوا من العمل الدبلوماسي التزامًا وطنيًا، لا مجرد مهمة رسمية.

غادرنا السفير السابق، والمناضل الاستقلالي البارز، ورجل الدولة المتزن، في لحظة مفعمة بالرمزية، متزامنة مع احتفالات عيد العرش المجيد. وكأن رحيله أراد أن يظل جزءًا من مسارٍ ملكي آمن به، وسار في ركبه بإخلاص لعقود طويلة.

سفير فوق العادة… ووجه إنساني للمغرب في المهجر

حين تم تعيين محمد ماء العينين سفيرًا لصاحب الجلالة لدى أستراليا ونيوزيلندا، لم يكن ذلك تعيينًا بروتوكوليًا اعتياديًا. فقد شكّل حضوره بيننا، نحن أبناء الجالية المغربية، تحولًا كبيرًا في علاقتنا بالسفارة، وفي شعورنا بالانتماء إلى الوطن الأم.

كان باب مكتبه مفتوحًا، لكنه لم يكتفِ بذلك، بل فتح قلبه وبيته أيضًا. كان أبًا وأخًا وسندًا للمغاربة في الغربة، يستمع، يبادر، يدعم، ويصغي بهمّ إنساني حقيقي.

بفضل حكمته وسعة صدره، تحوّلت المناسبات الوطنية إلى لحظات وحدة، وتحول التمثيل الدبلوماسي إلى فعل يومي من لمّ الشمل وتقوية الروابط بين الجالية والوطن.

ولا عجب أن تُكرّمه الجامعة الثقافية اللبنانية بكانبيرا، ليكون أول سفير عربي يُمنح لقب “شخصية العام”، وتسلمه درعًا تقديرية عرفانًا بجهوده الاستثنائية في تعزيز الحوار والتقارب بين المجتمعات الثقافية والدبلوماسية في أستراليا.

ذاكرة حيّة للتاريخ الوطني

لكن الأهم من كل ذلك، أن محمد ماء العينين كان ذاكرة حية لقضية الصحراء المغربية، رجلًا عاش تفاصيلها ودافع عنها في المنتديات الدولية برؤية نابعة من الميدان والتاريخ لا من تقارير مكتبية.

في حواراته، تحدّث بلغة رجل عاش المحطات الكبرى، وروى كيف أن فكرة الانفصال لم تكن سوى انحراف مؤدلج نشأ في أوساط طلابية يسارية، بدعم جزائري وليبي في السبعينيات، مقابل انتماء تاريخي حقيقي وموثّق بين الصحراء المغربية ومؤسسة البيعة والعرش.

ذكّر بأن أولى بوادر الاستعمار الإسباني بدأت سنة 1884، وأن علاقات شيوخ القبائل مع الدولة المغربية كانت راسخة، وأن مواقف سكان الصحراء، من نفي الملك محمد الخامس إلى أداء البيعة في العيون سنة 1958، تُعد وثائق حية في وجه كل أطروحة وهمية.

مناضل بفكر رصين ومسار متّزن

بعيدًا عن الصخب الإعلامي، بنَى محمد ماء العينين مساره على الاتزان، والمسؤولية، والإيمان بثوابت المملكة. انطلق من العمل الطلابي في الاتحاد العام لطلبة المغرب، وانتقل إلى قيادة الشبيبة الاستقلالية، قبل أن يُنتخب في اللجنة التنفيذية لحزب الاستقلال، مكلفًا بالتنظيم وعضوًا في لجنة العلاقات الخارجية، وفاعلًا بارزًا في نادي الفكر التعادلي إلى جانب الزعيم امحمد بوستة.

مثّل المغرب سفيرًا في الأرجنتين، الأردن، أستراليا، وعدد من دول المحيط الهادئ، وكان حاضرًا بقوة في أمريكا اللاتينية وأوقيانوسيا، حيث واجه الحملات المعادية لمغربية الصحراء بلغة الواثق، والدبلوماسي المتزن، والوطني العارف.

تعزية إلى أسرته… وإلى المغرب كله

في هذه اللحظة الحزينة، لا يسعنا إلا أن نرفع أصدق عبارات العزاء والمواساة إلى أسرته الصغيرة، التي فقدت رجلًا استثنائيًا، وإلى وطنه الذي ودّع أحد رجالاته الصادقين، وإلى كل مغربي ومغربية عرفوه عن قرب أو تأثروا بمسيرته من بعيد.

تعازينا الحارة، نحن أبناء الجالية المغربية بأستراليا، إلى عائلته، وإلى وزارة الخارجية، وإلى الشعب المغربي. لقد كان محمد ماء العينين لنا أكثر من سفير… كان قلبًا مغربيًا نابضًا بالغربة، وصوتًا صادقًا لوحدة الوطن، وذاكرة حقيقية لتاريخه.

رحمه الله برحمته الواسعة، وجعل ما قدّمه في ميزان حسناته وأسكنه الفردوس الأعلى.

وإنا لله وإنا إليه راجعون.

التاريخ

عن الكاتب

المزيد من
المقالات