
بقلم د. طالب سعد
(باحث في الاقتصاد السياسي والاجتماعي)
يُعرّف ابن خلدون الدولة بأنها «كائن حي له طبيعته الخاصة به، ويحكمها قانون السببية، وهي مؤسّسة بشرية طبيعية وضرورية، وهي أيضاً وحدة سياسية واجتماعية لا يمكن أن تقوم الحضارة إلاّ بها». ويقصد في قانون السببية ما مفاده أنّ الوقائع الاجتماعية والأحداث التاريخية خاضعة للحتمية، وليست بفعل المصادفة لارتباط الأسباب بالمسببات.
وعندما سُئل الفيلسوف الفرنسي جان جاك روسو ما هو الوطن، أجاب: الوطن هو المكان الذي لا يبلغ فيه مواطن من الثراء ما يجعله قادراً على شراء مواطن آخر، ولا يبلغ فيه مواطن من الفقر ما يجعله مضطرا ان يبيع نفسه او كرامته.. الوطن هو رغيف الخبز والسقف والشعور بالانتماء، الدفء والإحساس بالكرامة… ليس الوطن أرضاً فقط، ولكنه الارض والحق معاً..
انطلاقاً من ما قيل يبدو أن اللبنانيين لا يعيشون في دولة تحمل خصائص الوطن والكرامة والأمان، فيما تحكمهم أشخاص هم سبب للأزمات اللبنانية المتتالية والمتكررة، والتي لم تنته بأزمته المالية والاقتصادية – الاجتماعية الأكبر بتاريخه، بل بتاريخ العالم، حيث لم يذكر في أي دولة، تعثر كامل لنظامها المصرفي كما حصل في لبنان، علماً ان أزمته التي حلت به منذ ثلاث سنوات، لا تزال في منحى الهبوط المتدرّج تارة والمتسارع تارة أخرى، حيث لم ترتطم بعد بأي عقل أو نيّة صادقة لضبطها وتغيير مسارها. فيبدو المشهد لأي باحث عاقل ان ما يجري هو تدمير ممنهج لبنية الدولة اللبنانية، وأن ثمة من يريد إعادة هيكلة لبنان وليس مصارفه، والتغافي عن الحلول وتحمّل المسؤوليات وليس التعافي المزعوم.
قلّة قليلة تدرك ان حدوث الازمة بحد ذاته هو فرصة لإعادة إحياء الفكر والبحث العلمي الجاد والعقلاني، الذي انعدم وتلاشى حضوره منذ مدة من الزمن. فتجد فورة في إعطاء النظريات والخطط عن تعافٍ مالي واقتصادي، والتي لا علاقة لها بأي تعافٍ، يقابلها ثورة تخلو من الفكر وتنحصر في الصراخ وطرح الآراء التي تدل على ان معظم اصحابها هم من المبتدئين والطارئين على ساحة لم تستطع حتى الآن كشف العملة الرديئة من الجيدة، بل الاستمرار بطرد العملة الجيدة من قبل العملة الردئية بحسب قانون جريشام.
فما بين التغافي والتعافي أكثر من نقطة لتدمير الاقتصاد، وإجماع سياسي على عدم انتشال المجتمع التعيس من فقره وبؤسه، وعدم تحريره من الكماشة المذهبية الذهبية والطائفية القبلية التي تبدع قوى النظام الحاكم باستخدام أدواتها وتخدير ناسها وتنويمهم مغناطيسياً على أبواب الافران ومحطات الوقود والمستشفيات والمدارس، وتركهم في ظلمة الايام من دون أدنى مقومات العيش من كهرباء وماء ودواء.
ما يحزن القلب ويدهش العقل انه في حزيران 2022 كان بحوزة البنك المركزي حوالى 20 ملياراً و 630 مليون دولار، وبعد عامين وما تخللها من خطط تعافٍ ودراسات مالية واجتماعات مع صندوق النقد الدولي وخبراء تملأ الشاشات، أتى حزيران 2022 بدولة الاحزاب الحاكمة للطلب من البنك الدولي بقرض القمح بـ150 مليون دولار، حاملين الأمل لشعبهم بأنهم لن يجوعوا، وكأنها مكافأة ضمنية على وفائهم لهم في انتخابات ايار 2022.
إنّ المتتبع لتاريخ الازمات الاقتصادية في الدول يجد انها سعت لإنقاذ مجتمعاتها عبر وسائل الانتاج المختلفة، فاعتمدت سياسات مالية لتخفيض الضرائب وتحفيز الاستثمارات وفرص العمل وفتح الأسواق وتعزيز المنافسة، إضافة الى سياسات نقدية تحارب التضخم ولجمه عبر سياسات العرض والتصدير ودعم قطاعات الانتاج.
فأين نحن من كل هذه الأمور التي من المفترض أن تحصل؟ فموازنة الدولة خالية من اي فكرة لتحفيز الاستثمار او تخفيض الضرائب، بل إنها تسعى لفرض دولار جمركي يساعد على توسيع الفجوة بين المنتجين (الشرعيين وغير الشرعيين)، وزيادة التهرّب والتهريب. كما تسعى لإنقاذ المصارف والدولة عبر شطب ديونهما وتخفيف التزاماتهما ودائماً على حساب المودعين الذين يتعرضون لإبادة مالية جماعية من دون أن يدركوا او يفقهوا انهم ضحية لعملية تضليل شاملة أبطالها كل من يتكلم ويتاجر بما يسمى «حقوق المودعين».
آن الأوان للتمييز ما بين من يريد التغافي عن إنتاج الحلول الاقتصادية وتحقيق النهوض وبناء الدولة، وبين من يسعى جدياً الى الخروج من الركود وتحقيق التعافي. لبنان لا يحتاج الى خطط قد يوافق عليها صندوق النقد او قد لا يوافق، ولا دراسة مالية يقدمها مصرفي او وزير او نائب فاشل، لبنان بحاجة الى فكر جديد ينبثق عنه نظام اقتصادي سياسي قائم على التمويل بالنمو وليس بالعجز والاستدانة، قائم على التحفيز وربط الإنفاق العام الحكومي بمعدلات النمو الاقتصادي ونمو القوة الشرائية للافراد وليس عبر تفعيل أجهزة الرقابة التي لم ينتج عنها إلا المزيد من الرشوة والكلفة الاضافية. فها هي كل أجهزة الدولة الرقابية معطلة، لا ينتج عنها إلا الاضرابات والتعطيل الذي يضر بقوى الانتاج الحقيقية والتي لا تزال صامدة بصعوبة امام كل الرياح المدمرة التي تعصف بها.
آن الاوان لتضع السلطة السياسية امام معيار النجاح والفشل ومحاسبتها على هذا الاساس. فالطوائف ومصالحها لن تشبع جائعاً او تشفي مريضاً او تجبر خاطر مسن او تؤمن عملاً شريفاً لخريج جامعي يبحث عن مكان يطوّر فيه كفاءته العلمية وليس غريزته الطائفية.
آن الاوان لأن يعلو صوت الانسان وكرامته وسعادته فوق كل المصالح السياسية والعقائدية وما وراء البحار التي لم تخدم لبنان وشعبه يوماً بل حوّلته لثاني أكبر دولة تعيسة في العالم.
The post ما بين التغافي والتعافي أكثر من نقطة لتدمير الإقتصاد appeared first on جريدة الشرق اللبنانية الإلكترونيّة – El-Shark Lebanese Newspaper.