لا مشروع عربيّاً بدون دول وطنيّة! – 1
Spread the love

بقلم عماد الدين أديب

«اساس ميديا»

أزمة الأزمات وإشكالية الإشكاليات وقضية الأمس واليوم وغداً هي مسألة الصراع الحادّ بين مشروعَيْ «الدولة» و»اللادولة» في العالم العربي والشرق الأوسط.

إنّه صراع شبيه تماماً بعبارة وليام شكسبير: «أن أكون أو لا أكون». إنّه صراع وجوديّ جُنّدت له كلّ الأموال والأسلحة والعقول والضغوط والتدخّلات العسكرية.

إنّه صراع بين من يريد الحفاظ على الدولة الوطنية وبين من يريد تقسيمها بهدف السيطرة عليها.

وحتى يكون كلامنا ممنهجاً وعلميّاً تعالوا نعرّف مفهوم «الدولة» في العلوم السياسية: «الدولة، نظرياً، هي مجموعة من الأفراد يمارسون نشاطهم على إقليم جغرافي محدّد ويخضعون لنظام سياسي معيّن متّفق عليه فيما بينهم يتولّى شؤون الدولة. وتُشرف الدولة على كلّ الأنشطة الأساسية في النظام، التي تهدف أساساً إلى تقدّم وازدهار وتحسين مستوى معيشة المجتمع». إذاً، لقيام الدولة لا بدّ من مساحة أرض، مجموعة من السكّان، سلطة سياسية حاكمة، ونظام اتصالات ومواصلات، والسيادة الكاملة على الأرض والسكّان وكلّ المؤسّسات والأنشطة، وأخيراً حصول هذا الكيان على اعتراف دولي من المؤسّسات الدولية ذات الصلة.

تعالوا نتأمّل مشروعات «اللادولة» في المنطقة:

لنبدأ في العراق

هناك جهد عظيم لا يتوقّف ليل نهار منذ الاحتلال الأميركي للبلاد من أجل تفتيت سلطة الدولة عبر تعدّد مصادر السلاح ووجود ميليشيات عابرة للقانون والدستور وسلطة الدولة، وتجاوز حصريّة حمل السلاح بالدولة، وانتشار الفساد السياسي عبر النفوذ السياسي للطوائف والميليشيات وسيطرتها على مفاصل البلاد.

ربّما يكون ما تعانيه البلاد هناك منذ انتخابات البرلمان الأخيرة ومحاولة تشكيل حكومة هو أعمق دليل على قوّة مشروع اللادولة في العراق.

كلمة مصطفى الكاظمي يوم الثلاثاء الماضي عن مخاطر عدم حصريّة السلاح في يد الدولة خير برهان على عمق الأزمة.

تحدّث الكاظمي عن «محاولة العديد من القوى تقويض سلطة الدولة وخرق القانون» طالب بضرورة «محاولته الحفاظ على النظام والدولة والدم العراقي» وذكّر بأنّه «طالما حذّر من ضرورة وضع السلاح تحت سيطرة الدولة».

هنا هدّد الكاظمي بالاستقالة بعد عدم قدرته على تحقيق الحدّ الأدنى من مشروع الدولة.

حينما يُصبح السلاح أو المال أو التدخّل السياسي الخارجي أقوى من سلطات الدولة، تُصبح أيّ سلطة وطنية عاجزة عن لعب دورها السياسي والسيادي في البلاد.

ماذا عن لبنان؟

في لبنان تستطيع الميليشيا الطائفية تعطيل القانون والدستور.

تستطيع الميليشيا أن تُعرقل تشكيل أيّ حكومة وأن توقف إصدار أيّ قرار.

في لبنان تحسم الميليشيا تسمية رئيس الجمهورية ورئيس الحكومة وتوفّر الأغلبية العددية اللازمة لتسمية رئيس البرلمان أو سنّ القوانين.

يستطيع مَن لديه 100 ألف مقاتل و120 ألف صاروخ ومؤسسات مالية واجتماعية خاصّة به خارج إشراف أو سيطرة الدولة، أن يفرض إرادته في مناطق جغرافية خاصة به وكأنّها خارج سلطة الوطن.

فكرة مركزية القرار في لبنان معدومة ما دامت لا تأتي من مؤسّسات الدولة الرسمية.

يصدر القرار في لبنان حينما يحظى بالرضاء الكامل، وتتمّ صناعته حرفيّاً داخل مؤسّسات الأحزاب والميليشيات، ثمّ يتمّ الدفع به إلى الحكومة من أجل وضع اللمسات الأخيرة وإقراره، ثمّ إلى الرئيس للتوقيع.

مؤسّسات الدولة هي «الديكور السياسي»، لكنّ القرار الحقيقي يأتي من مراكز قوّة السلاح والمال غير الشرعية.

نصل إلى سوريا

في سوريا تتّخذ سيطرة الميليشيات شكلاً مغايراً.

في دمشق يسيطر الحكم على قصر الحكم والبرلمان والبنك المركزي، وعدّة أجهزة أمنيّة تدير الأمن لكنّها لا تسيطر عليه.

منذ الحرب الأهلية السورية، فَقَد الحكم القدرة على الإدارة والسيطرة على المفاصل الأمنيّة، وفَقَد الحكم الامتياز الحصري الذي من المفروض أن تملكه الدولة بحكم الدستور والقانون لممارسة العنف المشروع.

استراتيجياً هناك جيوش أربع دول على الأقلّ منذ سنوات على الأراضي السورية وداخل خارطة الوطن الذي يُعتبر من أقدم حضارات العالم، إضافة إلى ميليشيات من دول عديدة يقودها الحرس الثوري الإيراني، أبرزها حزب الله من لبنان وألوية عراقية وربما غيرها.

على أرض سورية الجيش الروسي، والحرس الثوري الإيراني، والجيش التركي الرسمي، وقوات التحالف الغربي المشكّلة خصّيصاً من أجل الملف السوري.

على أرض سوريا ميليشيات إرهاب تكفيري، وقوى معارضة، وقوى مناطقية وعرقية تجاوزت 800 فرقة وجماعة.

من هنا تصبح ممارسة الدولة في سوريا لسلطاتها وسيادتها أكذوبةً وأمراً مستحيلاً.

هكذا تبدو الدولة ممثّلةً بالنظام وكأنّها طرف زائر في ظلّ الوجود العسكري والأمنيّ الروسي والإيراني والتركي والميليشياوي.

تسيطر الدولة في سوريا على بعض أجزاء من العاصمة وريف دمشق فقط.

تدير روسيا قواعد عسكرية تُشرف عليها «الشرطة العسكرية للجيش الروسي ولا يحقّ لأيّ جنسيّة بما فيها قوات الجيش الرسمية السورية التدخّل فيها على أيّ مستوى من المستويات».

في سوريا معسكرات للحرس الثوري وقوات «كاظميون» و «زينبيون» وحزب الله يملكون السيطرة الكاملة والوحيدة والمنفردة عليها.

يتبع غداً

The post لا مشروع عربيّاً بدون دول وطنيّة! – 1 appeared first on جريدة الشرق اللبنانية الإلكترونيّة – El-Shark Lebanese Newspaper.

التاريخ

عن الكاتب

المزيد من
المقالات