عقد على زلزال جبل كينابالو المميت، لِمَ تسلّقه ناجيان مجددًا؟
Spread the love

دبي، الإمارات العربية المتحدة (CNN) — مُعلَّقًا على شجرة لنحو سبع ساعات، كان الطفل البالغ من العمر 11 عامًا آنذاك، براجيش ديمانت باتيل، في شبه حالة غيبوبة، فقط الحركة الخفيفة والبطيئة لقدميه المنتعلتين حذاءً برتقاليًا لامعًا، أشارت إلى وجود بصيص حياة.

وسط الحطام الذي أحدثته الصخور بسبب زلزال مدمر، كان مرشد سياحي ينزل من الجبل عندما لمح الحذاءين البرتقاليين، وتمكن من إنقاذ حياة الطفل المدرسي.

مرت 10 سنوات منذ صباح 5 يونيو/ حزيران 2015 المأساوي، عندما انطلق 29 طالبًا وثمانية أساتذة من مدرسة تانجونغ كاتونغ الابتدائية في سنغافورة، برحلة مدرسية لا تُنسى لتسلّق جبل كينابالو الذي يرتفع حوالي 4,094 مترًا في جزيرة بورنيو، ماليزيا.

فيما كانت المجموعة بطريقها للصعود، ضرب زلزال الجبل بقوة 6.0 درجات على مقياس ريختر، ما تسبّب بانهيار أرضي دفن جزءًا من المشاركين في الرحلة الاستكشافية. وجرفت سلسلة من الصخور والتراب باتيل الذي رسا على شجرة.

لم يعد سبعة طلاب واثنان من المعلمين، ضمن مجموعته، إلى ديارهم. ولَقِيَ 18 شخصًا حتفهم في المجمل.

بالنسبة لباتيل، الذي يبلغ اليوم من العمر 21 عامًا، فإنّ الذكريات مشوّشة بفعل الصدمة، ولا يستطيع تذكرها بفعل مرور الزمن، تمامًا مثل الأتراب والأستاذين الذين فقدهم في ذلك اليوم. لكن في مناسبة مرور الذكرى العاشرة على هذه المأساة، شعر أنه مستعد لإعادة زيارة ذلك الفصل من حياته. وقال: “لطالما رغبت بمعرفة ما حدث، لأن أحدًا لم يشارك معي ذلك”. 

برفقة زميله في الفصل ورفيق نجاته، إيمير أوزاير، بدأ باتيل رحلته لإعادة تتبّع المسارات التي اختبرت حدودهم سابقًا، وللتعافي.

لمّ الشمل

عندما التقى باتيل وأوزاير مجددًا لتسلّق الجبل في 20 مايو/ أيار من هذا العام، كانا مستعدين رغم مشاعر القلق والخوف، من أجل تكريم الأصدقاء الذين فقدوهما. 

حافظا التلميذان على التواصل بينهما بعد كارثة العام 2015، اقتصرت على رسائل قصيرة على إنستغرام مثل “مرحبًا” و”كيف حالك؟”، بين الحين والآخر.

ورغم ندرة التواصل على مر السنين، كان هناك أمر واضح بالنسبة لهما: ما برحت العودة إلى جبل كينابالو مشروعًا غير مكتمل. كان كلاهما متحمسًا للعودة وتخليص أنفسهما من أشباح  هذه الواقعة في الذكرى العاشرة على الزلزال.

خلال التسلق، التقيا بكورنليوس سانان، المرشد الجبلي الماليزي البالغ من العمر 43 عامًا الآن، الذي أنقذ حياة باتيل قبل 10 سنوات.

قال سانان لـCNN: “أول شيء سألته لباتيل: ‘أين حذاؤك السحري؟'”. 

رد باتيل بالقول: “أتمنى لو كان لديّ الحذاء الآن، لكنه كان يحمل ذكريات مؤلمة جدًا، لذا لم يرغب والديّ بأن أحتفظ به”. 

جبل كينابالو في ماليزيا
براجيش ديهامنت باتيل، في الوسط إلى اليسار، وإيمير أوزاير، في الوسط إلى اليمين، وكورنيلوس سانان، في الخلف، خلال تسلّقهم. Credit: Amazing Borneo Tours

رغم أن الحذاء البرتقالي اللامع قد اختفى منذ وقت طويل، إلا أن باتيل كان يرتدي قلادة دينية مألوفة حول عنقه، تميمة حظه التي تعرف عليها سانان. كانت القلادة ذاتها التي ارتداها باتيل في يوم الزلزال.

كان الفريق يأمل بإتمام التسلّق خلال يومين. لكن في الساعات الأولى من 21 مايو/ أيار، بدأ هطول الأمطار بغزارة، ما اضطرهم إلى قضاء يوم إضافي على الجبل.

ما كان يمكن أن يكون تأخيرًا محبطًا تحول إلى فرصة للاستماع إلى قصص السكان المحليين الذين لا يزالون يتذكرون ذلك اليوم المأساوي، والاستماع لمرويات سانان نفسه.

قال أوزاير: “أصبحت الرحلة أقرب إلى رحلة مشتركة من أن تكون رحلة شخصية”.

في صباح اليوم التالي، عند الساعة 3:30 صباحًا، عندما خفّت الأمطار، استأنفوا تسلقهم عبر التضاريس الوعرة والمبللة لجبل كينابالو.

اعترف أوزاير بالقول: “كان الأمر صعبًا جسديًا للغاية. في لحظة ما، سألت نفسي أنه كيف تمكنا من فعل هذا عندما كنا مجرد أطفال؟”. 

تحت السماء الصافية ومع الهواء الجبلي النقي من حولهم، ومع تقدم أوزاير في التسلق، عادت الذكريات القديمة. قال الشاب البالغ من العمر 21 عامًا: “كل خطوة قطعناها، تُعيد ذكريات أصدقائي إلى ذهني”. 

التذكر

بخلاف باتيل، يتذكر أوزاير كل شيء من ذلك اليوم المشؤوم الذي بدأ بالضحك، والحماسة للرحلة المدرسية المنتظرة التي أصبحت حقيقة.

قال مبتسمًا: “كنا مجرد أطفال، نحمّس بعضنا بالقول: ‘أسرعوا! تحركوا أسرع!'”. لم يبدأ اليوم بعد عندما بدأت الأرض تهتز. اهتز الجبل بالكامل. ثم، انهارت آلاف الصخور، بعضها بحجم إطارات السيارات، وسقطت بسرعة كبيرة جدًا”. صرخ الأساتذة “انخفضوا! انخفضوا!”

لكن الصخور سقطت أسرع من أن يتفاعل معها أي شخص.

جبل كينابالو في ماليزيا
أوزاير على الجبل. Credit: Amazing Borneo Tours

قال أوزاير بصوت هادئ: “أتذكر ألوان سترات أصدقائي في كل مكان”، ثم أضاف، “بعدها.. الجثث”.

تُرك أوزاير مغطى بالجروح، مع جمجمة مكسورة. لكنه نجح في النجاة.

أما بالنسبة لباتيل، فإن الذكريات ضبابية ومتفرقة. لكن سانان، مرشد الجبال الذي عثر عليه، ساعده على ملء الفراغات. أخذ سانان باتيل إلى الشجرة التي وجده معلقًا عليها لساعات، بالكاد مرئيًا.

وقال سانان لـCNN: “رأينا بعض الحركة وفكرنا، ‘ربما لا يزال هناك شخص ما على قيد الحياة’.” وأضاف: “اتخذنا قرارًا بإحضار باتيل من دون أي معدات مناسبة. كان علينا المحاولة”. 

قال باتيل: “لو سقطت بضعة أمتار إلى اليسار أو اليمين، لما كان رآني. كانت الأشجار ستُخفي جسدي بالكامل”.

كان قد تعرض لإصابات شديدة، جسديًا وعاطفيًا.

وتذكر: “كنت عاجزًا تمامًا، لم أتمكن من التحدث، لم أتمكن من المشي، لم أتمكن من الكتابة”، مضيفًا: “لذلك كان عليّ أن أتعلم من جديد كيف أمارس كل شيء أساسي من البداية”.

لم يكن سانان الذي أنقذ باتيل من الأشجار مدرّبًا على عمليات الإنقاذ، بل عمل كمرشد جبلي لمدة خمس سنوات فقط، من دون أي خبرة سابقة في الكوارث الطبيعية. لكن في ذلك اليوم، لحق حدسه.

خسر سانان أيضًا شخصًا، ابن عمه روبي سابينجي، مرشد جبلي آخر كان يقود سائحًا تايلانديًا عندما وقع الزلزال. عُثر على سابينجي تحت الصخور المتساقطة. وعلم أنه لن ينجو، فأخبر السائح أن يستمر في طريقه من دون أن ينتظره. كما فقد مرشدًا جبليًا آخر، يُدعى جوزيف سولودين، في ذلك اليوم أيضًا.

جبل كينابالو في ماليزيا
باتيل يتسلّق جبل كينابالو. Credit: Amazing Borneo Tours

لا يزال سانان يعمل كمرشد جبلي حتى اليوم. إنها طريقته في تكريم ذكرى سابينجي. فهو يواصل هذه المهنة “لأن جزءًا من روحي يعيش هنا (في جبل كينابالو)”. 

بالنسبة لأوزاير وباتيل، سيكون سانان دومًا بطلهما، الرجل المنقذ للأرواح.

بعد عشرة أعوام

تم إعادة بناء المسارات على جبل كينابالو منذ ذلك الحين. وبات هناك فريق إنقاذ خاص في حالة استعداد دائم.

لقد تغيرت إجراءات السلامة، لكن الجبل لم يتغير. في تلك القمم العالية، لا تزال ذكريات العام 2015 حية.

قال أوزاير: “في كل ما نفعله الآن، ترافقنا ذكريات أصدقائنا الذين كرّمناهم من خلال إتمام ما لم يتمكنوا منه”.

جبل كينابالو في ماليزيا
أوزاير وباتيل على قمة لو المدرج على قائمة التراث العالمي لليونسكو. Credit: Amazing Borneo Tours

وأحيانًا، عندما يزداد ثقل الذكريات، يفكرون في الأشياء الصغيرة. ورأى أوزاير إلى أنهما وجدا “شعورًا متجددًا بالهدف. أدركنا أنه حان الوقت لقبول الماضي والمضي قدمًا نحو المستقبل”.

التاريخ

عن الكاتب

المزيد من
المقالات