سيدني تنتصر للإنسانية: صوتٌ من أجل فلسطين… لا من أجل الانقسام
Spread the love

في يومٍ غير عادي، وتحت سماء ملبّدة بالغيوم، شهدت مدينة سيدني الأسترالية واحدة من أضخم التظاهرات التضامنية في تاريخها الحديث. أكثر من 300,000 شخص — بحسب تقديرات المنظمين — اجتمعوا من مختلف الأعمار والخلفيات والثقافات، ليعبّروا عن وجعٍ إنساني واحد: وقف القصف والتجويع عن الشعب الفلسطيني، وبالدرجة الأولى، عن أطفال غزة الذين باتوا عنوانًا حيًّا للمأساة الصامتة.

لكنّ ما ميّز هذه التظاهرة لم يكن عدد المشاركين فقط، بل الرسالة التي حملتها: رسالة سِلم، وعدالة، وإنسانية. لم تكن مظاهرة من أجل الانقسام أو تأجيج الصراعات، بل كانت صرخة عالمية خافتة في صوتها، عظيمة في أثرها، تُنادي بوقف نزيف الضمير العالمي.

طناجر فارغة… وأصوات ممتلئة بالكرامة

رفع المتظاهرون الأواني والمقالي كرمزٍ رمزي لتجويع المدنيين في غزة، في مشهد يُعيد إلى الذاكرة الحركات السلمية في أمريكا اللاتينية وأوروبا الشرقية حين كانت الشعوب تقرع الطناجر لتُسمع صداها في دوائر القرار.

لقد أراد المشاركون أن يقولوا للعالم: إن التجويع سلاحٌ لا يليق بعصرٍ يتغنّى بالمواثيق الدولية، وإن التضامن لا يُصنّف حسب الهويات، بل يُقاس بمعايير الأخلاق والكرامة الإنسانية.

رسالة إلى الحكومات… لا إلى الشعوب فقط

هذه المسيرة لم تكن فقط نداءً إلى الشعوب المتضامنة، بل رسالة مباشرة إلى صانعي القرار، تطالب بتحرّكٍ فعلي ومسؤول، ينسجم مع القيم التي تتغنّى بها الديمقراطيات الليبرالية، وعلى رأسها احترام القانون الدولي، ورفض العقاب الجماعي، ومساءلة كل من يرتكب الجرائم بحق المدنيين، أيًا كانت هويته أو انتماؤه.

من أستراليا… إلى كل دولة لا تزال صامتة

يُحسب لأستراليا، رغم تعقيدات موقفها الرسمي، أنها لم تمنع هذه التظاهرة التي ضمّت أستراليين، عربًا، يهودًا، مسلمين، مسيحيين، وملحدين، جميعهم اتفقوا على فكرة بسيطة وعادلة: لا تجويع للأطفال، لا قصف للمدارس، لا حصار للمرضى.

فهل تتحرّك الدول الأخرى بنفس النبض؟

هل يتحقّق أمل بسيط بأن يقف العالم صفًا واحدًا، ولو ليومٍ واحد، ليُظهر أن دماء الأبرياء لا تُقايض ولا تُستخدم كورقة سياسية؟

نحو خطاب عالمي جديد

ما شهدته سيدني أمس، لم يكن مجرد تظاهرة، بل محطة تحول. لقد بعثت برسالة للعالم أن التضامن لا يحتاج إلى سلاح، وأن أصوات المدنيين حين تتحد، يمكنها أن تغيّر المسار.

إننا اليوم، وأكثر من أي وقت مضى، بحاجة إلى خطاب عالمي جديد، يرتكز على وحدة الشعوب لا اصطفاف الحكومات، وعلى كرامة الإنسان لا مصالح المصانع.

منطق العدالة لا يموت

في زمنٍ تتكاثر فيه الأزمات، وتعلو فيه أصوات الانقسام، جاءت سيدني لتُذكّرنا أن للسلام جمهور، وللضمير صوت، وللأمل طريق. وأن فلسطين “الجريحة والمجروحة” لا تحتاج فقط إلى قرارات أممية، بل إلى يقظة جماعية تُعيد التوازن إلى كفّة الإنسانية…

التاريخ

عن الكاتب

المزيد من
المقالات