رحل من كان يستحق وردة وهو يبتسم، لا وهو يرحل!
ولد الفنان الكبير العبقري زياد الرحباني من رحم اللحن، عاش في ظلّ الكلمة، وتمرّد على كل ما هو جاهز ومُعلّب ومُزيّف. هو ابن الرحابنة، نعم، لكنّه رفض أن يكون ظلّ أحد، فصار اسمه مدرسة قائمة بذاتها، مدرسة تُدرّس فيها الجرأة والسخرية، الحس الإنساني العميق الاجتماعي والوطني.
كان ساخرًا حدّ البكاء، المضحك المبكي، وعميقًا بلا ادّعاء، ومؤمنًا بالله لكن على طريقته. تحدّى الواقع باللحن، وواجه القبح بالفن، وسكن الناس بصوته دون استئذان. في زمن التكرار، كان المختلف وفي زمن المجاملة، كان الصادق. كان مبدعاً لا يشبه أحد،لا ولن يتكرر.
برحيل الفنان زياد الرحباني صاحب المواهب المتعددة، الموسيقار، الملحن، الكاتب، المسرحي، المبدع، الفيلسوف، المناضل، الثائر والمتمرد، تفقد الثقافة اللبنانية والعربية أحد أعمدتها الفنية والموسيقية الأكثر جرأة وصدقًا، وأحد أبرز أقطاب الفن العربي الحديث.
لا نرثي فقط رجلاً، بل نودّع زمنًا ونهجاً، تربينا على أقواله لتصبح أمثالاً شعبية نكررها، وما زالت صالحة حتى يومنا هذا. لذا استطاع زياد الرحباني أن يحفر أعماله الموسيقية والمسرحية والإذاعية، في ذاكرة أكثر من جيل.
زياد الذي قال ما لا يُقال وكتب ما لا يُكتب،
لم يكن مجرد موسيقي أو كاتب مسرحي بل كان ضميرًا حياً ناطقًا، ثائرًا هادئًا، ساخرًا موجعًا، وواحدًا من القلائل الذين قالوا الحقيقة على مرأى الناس. حمل الهمّ اللبناني على خشبة المسرح فتمرّد وواجه الواقع بالسخرية واللحن والكلمة. كان المرآة الهازئة التي تعكس الحقيقة المؤلمة لوجع الشعب، وصوته صوت الناس. لذا تميزت أعماله المسرحية بالكثير من النقد السياسي والاجتماعي المغلف بالسخرية والفكاهة. فلحّن وجعنا وضحكنا وسخريتنا من واقع يتكرّر بلا نهاية.
حين ضاقت به الايام وتعب من الحياة والوطن، لجأ إلى صمت الكنيسة وهناك ترك إرثه الأبقى، وأودعها روائع من موسيقاه، فلحن أجمل التراتيل الدينية تاركاً إرثاً غنياً للكنيسة. زياد الذي اتهم بالالحاد، لم تكن حياته فقط صخبًا ومسرحًا، بل أيضًا تأملًا وصلاةً صامتة كتبها على طريقته فأبدع بترانيم روحية عميقة، نرددها يومياً في صلاتنا الا اننا اكتشفنا ملحنها بعد وفاته. رحل زياد بصمت المؤمنين وترك للكنيسة وردة من فكره ونغمه وصمته.
لكن، مثل كثيرين غيره، عاش زياد تحت الضوء، لكن بعيدًا عن التقدير الحقيقي.
كم مرة أنصفناه؟ كم مرة كرمناه وقلنا له “أبدعتَ” وهو يسمع، لا وهو يُغلق عينيه الأخيرة؟
كم وردة وصلته في حياته، تمتع بجمالها واستنشق رحيقها، وكم باقة وضعناها فوق قبره؟
الدولة التي لا تكرّم مبدعيها في حياتهم، هي دولة تجهل كنوزها، من هنا نطالب أن يكون تكريم زياد الرحباني بدايةً لتصحيح هذا الخلل، لا مجرد وداع جميل آخر ننساه غدًا.
لماذا ننتظر وفاة الفنان الكبير أو المبدع حتى نبدأ بالثناء عليه، ونُقيم له التماثيل أو نطلق اسمه على الشوارع. ما هذه النزعة في مجتمعنا بتقدير الراحلين، ونسيان أو تجاهل الأحياء.
لماذا لا توجد سياسات ثقافية طويلة المدى لتكريم الفنانين الكبار أثناء عطائهم، مثل جوائز وطنية أو معاشات شرف أو منابر دائمة لعرض أعمالهم وحفظها. الفنانون يُتركون غالبًا وحيدين، ويعيش كثير منهم في فقر أو عزلة رغم أن أعمالهم تُخلد في الذاكرة، ومنهم من ينتظر وردة ولم تأتِ.
في عصرنا هذا، يتحول الاهتمام بالترفيه السريع على حساب الإبداع العميق. اليوم يُكرَّم من يحقق رواجًا سطحيًا على السوشال ميديا، بينما يُهمل الفنان أو المبدع الحقيقي لأنه لا يواكب السوق كما ان الإعلام يلعب دورًا في طمس أسماء فنية عريقة لصالح نجوم سطحيين لا وزن لهم سوى عدد المتابعين. فمن لم يصرخ على السوشال ميديا، لن يسمعه الإعلام ولو كان عبقريًا.
للأسف الشديد، في وطنٍ منهك، يرحل الفنانون بصمت، تتجاهلهم الدولة ويُهمّشهم الرسميّون، اما الجماهير فتشيعهم وكأنهم أبطال لا مكان لهم في زمن النسيان.
هنا أستشهد بالمقولة الشهيرة للشاعر العظيم أسعد السبعلي:
“أعطوني بحياتي زرّ ورد صغير، ولا تحطّوا فوق قبري باقة ورد كبيرة.”
وقد نُقشت هذه العبارة تحديدًا على قاعدة تمثال السبعلي تخليدًا له، لأنها تختصر فلسفته في الحياة والتقدير بأهمية تكريم الإنسان في حياته لا بعد وفاته. أما المغزى فهو وردة في الحياة أغلى من إكليل بعد الموت. لأنّ الورد بعد الموت لا يُفرِح، بل يُجمّل النسيان.
اليوم، نضع فوق قبر زياد آلاف الورود، لكن تبقى الحسرة، هل أعطيناه وردةً في حياته توازي ما قدّمه لنا؟
لم يكن بحاجة إلى تمثال، بل إلى فرصة.
لم يكن يطلب المجد، بل غرفة تسجيل.
رحل زياد الرحباني، تاركًا وراءه ألحانًا لم تُسجّل، وأفكارًا لم تُدعَم، وصمتًا لم يحتضن. لو مدّت الدولة يدها، أو نهضت الثقافة بواجبها لكان زياد أعطى أكثر، وترك لنا إرثًا أكبر. زياد لم يمت من العمر بل من الإهمال.
فلنُكرِّم الكبار وهم أحياء.
فلنرفعهم أمام أعيننا، لا فوق توابيتهم.
فلنحتفل بعطائهم، لا بنهاياتهم.
لأن الفنان الحقيقي لا يحتاج تمثالًا، بل قلبًا يسمعه، وكفًّا تصافحه.
سامحنا يا زياد، لأننا لم نُعطِك وردتك في الوقت الذي كنت تحتاجها فيه، فرحلت بصمت و سكون، لكن فنك باقٍ الى الازل.
نم قرير العين! وإن لم نكرُّمك بما يكفي حيًّا، فالأرض ستحتضنك كما يليق بالعمالقة.
الرحمة لروحه، والسلام لذكراه والتعزية للأم الحزينة السيدة العظيمة فيروز، لأخته المفجوعة ريما وأخيه هالي، لعائلة الرحابنة ولعائلته الكبيرة في لبنان والوطن العربي.