
لقد نشرت جريدة الشرق الاوسط يوم الاربعاء بتاريخ 7/9/2022 مقالاً بعنوان: هل الاتفاق ما بين روسيا والصين على تقييم صادرات الغاز من روسيا الى الصين المتعاقد عليها قبل 2019 لمدة 30 سنة بعملات البلدين يشكل بداية لفصل الاقتصاد العالمي.
السؤال المطروح هو الفصل عن ماذا؟ والجواب بوضوح اضعاف دور الدولة في تمويل التجارة العالمية واحلال عملات بلدان منتجة ومهمة محل الدولار الذي لا زال يغطي حوالى 70% من مبادلات التجارة العالمية بما فيها صادرات الصين الى الولايات المتحدة التي تشكل اكثر من 10% من حجم التجارة العالمية.
السؤال هو لماذا يحتل الدولار مركز الثقل في تسديد فواتير التجارة العالمية، وهنا لا بد من ذكر الخطوات التي كرست الدولار في هذا الموقع، واهميتها للولايات المتحدة وبقيت الدول الرئيسية في العالم.
حتى اواخر عقد العشرينات كان الجنيه البريطاني يشكل العملة الرئيسية للتجارة العالمية وكان الجنيه مرتبط بقاعدة ذهبية اضطرت بريطانيا الى التخلي عنها بعد مواجهة اعباء الحرب العالمية الاولى، وكانت الولايات المتحدة قد شاركت في الحرب فقط لسنة اي منذ 1917 وبعد تعرض سفن تجارية اميركية لهجمات من قبل الغواصات الالمانية.
الدولار عانى من ضعف اصابه بعد اندلاع الازمة الاقتصادية العالمية عام 1928/1929 واستمرار الازمة حتى عام 1934 حينما بدأ الرئيس الاميركي فرانكلين روزفلت تبني توصيات الاقتصادي البريطاني الشهير كينز باعتماد الدول الرئيسية على الاقتراض العام لتمويل مشاريع انجاز الطرقات، والجسور، وبصورة خاصة اكبر مشروع لانجاز عدد من السدود من قبل ما سمي بTennessee Valley Authority.
بدأ زمن الاستقراض على نطاق واسع من قبل الولايات المتحدة قبل منتصف الثلاثينات وكان سعر الذهب تأرجح مع تقلبات الاقتصاد الاميركي، وزمن توسع الاقتراض الدولي توسع مع انطلاق الحرب العالمية الثانية التي انتهت بالفعل بعد استعمال القنابل النووية من الاميركيين في تدمير مدينتين في اليابان هما هيروشيما
وناغازاكي، وربما في وقت قريب من هذا التدمير المخيف والسلاح المدمر انعقد مؤتمر بريتون وودز في الولايات المتحدة، لتقرير برنامج تمويل الاضرار التي لحقت بأوروبا واليابان وبعض دول شرق آسيا.
حسب مجريات مؤتمر بريتون وودز تقرر اعتماد الدولار كالعملة الرئيسية لان الولايات المتحدة بالفعل كانت الدولة الصناعية الكبرى في ذلك التاريخ ولم تكن قد تعرضت لموجات تدمير جوية او بحرية، واقر برنامجين لمساعدة اوروبا (المانيا، وفرنسا، وايطاليا بصورة خاصة) بعد الحرب واليابان والى حد ما الصين وكل ذلك بعد عام 1945، واعتمد سعر للذهب يوازي 35 دولار للاونصة، والتزم بنك الاحتياطي المركزي الاميركي تأمين الكميات الذهبية للبلدان التي تحقق فوائض وبقي هذا التدبير حتى الغيت من قبل الرئيس نيكسون عام 1971.
بالمقابل وتوقعًا لتطور اقتصاديات اوروبا واستعادة اليابان والصين القدرة على النمو عزز الاميركيون وضعهم كبلد العملة الرئيسية العالمية بتاريخ تأسيس صندوق النقد الدولي الذي اقر في بريتون وودز واحتفظت الولايات المتحدة في نظام صندوق النقد الدولي، ومن بعد البنك الدولي للانماء بحق الفيتو على القرارات الرئيسية.
اليوم الوضع مختلف فإقرار اوروبا بعقوبات على روسيا لمهاجمتها اوكرانيا اصبح يهدد النظام المالي الدولي، وسبق الحرب اعلان البنك المركزي الاوروبي والبنك المركزي الاميركي عن ان مديونية البنوك المركزية اصبحت تهدد مستقبل اقتصاديات الدول الصناعية والنامية، وحسب طلب رئيسة البنك المركزي الاوروبي وذلك منذ صيف 2021 يجب على الدول الاوروبية والدول الصناعية ضبط تسهيلات الاستقراض دون حدود.
لقد ظهر حتى تاريخه ان الدول الصناعية واهمها دول الاتحاد الاوروبي، والولايات المتحدة، وكندا والصين واليابان معرضة لازمات مالية خاصة بعد تفشي مخاطر الكورونا وتأثيراتها على حركات الانتاج والتجارة العالمية، والقرن الواحد والعشرين شهد في سنواته الاخيرة تجاوز حجم الانتاج الصين الاقتصاد الاميركي وتوسع اقراض الصين للدول الافريقية واسبقية الصين في تسجيل اختراعات البرامج الالكترونية المفيدة في مجالات الانتاج وتوسيع المعارف والعلاجات الطبية الخ. ومع انحسار وباء الكورونا تفجرت العلاقات الروسية الاوكرانية، وكان بوتين قد اعلن في ثلاثة مؤتمرات دولية تعقد في المانيا سنويًا للبحث في توطيد السلام العالمي، وطالب بوتين بثني اوكرانيا عن الانتساب الى حلف الناتو وتجهيز قواتها بصواريخ متطورة تركز مقابل حدود روسيا الغربية.
الولايات المتحدة لم تسمع النصائح الروسية بل هي اهملتها كليًا وعند اندلاع الحرب حضت الولايات المتحدة دول الاتحاد الاوروبي على فرض عقوبات اقتصادية على روسيا وبادرت الى تجهيز اوكرانيا بمعدات عسكرية ومعونات اقتصادية على مستوى 44 مليار دولار، والدول الاوروبية الرئيسية بدأت تشكو من التصلب الاميركي، وتسعى للاستعاضة عن استيراد الغاز الروسي الذي ارتفعت اسعاره 6 اضعاف واصبح الالمان، والبريطانيون، والايطاليون وحتى الفرنسيين الذين يعتمدون على استيراد الغاز الروسي بنسبة اقل من ارتفاع اكلاف المعيشة.
وبعض الدول الاوروبية الاعضاء في الاتحاد الاوروبي اعربوا عن تقبلهم توصيات المقاطعة بامتعاض كبير لكن الولايات المتحدة استمرت في التصعيد ومن ثم بدأت تصعد انتقاداتها للصين لان الصين لم تلتزم توصيات الولايات المتحدة.
فجأة اصبح العالم يخشى من اندلاع حرب عالمية، واذا حدثت حرب متوسعة ستتكاثر افلاسات الدول وبسبب ديونه البالغة والتي تتجاوز ال150% من حجم الاقتصاد الوطني دون ادراجها في الارقام الرسمية، اي حرب موسعة، اضافة لخسائرها البشرية ستؤدي الى خسارة العالم على الاقل نسبة 25% من قدرته الانتاجية كما ستؤدي الى انحسار السياحة الدولية التي بلغت مستويات اسهمت في توسيع التفاهم ما بين الحضارات المختلفة.
التشكيك بثبات الدولار وبدء تحويل تسديد المستحقات بعملات رئيسية اخرى كاليوان والروبل امر بالغ الاهمية ولن يكون من السهل تجاوز مفاعليه بسهولة وستخسر الولايات المتحدة مركزها في قيادة الاسواق النقدية دوليًا.
الصين تحسست ضعف الدولار منذ فترة واقرت الابتعاد عن شراء سندات الحكومة الاميركية وهي تحوز اصلاً سندات اميركية على مستوى 2000 مليار دولار، او تريليوني دولار، واذا شاءت الصين الضغط على اميركا تستطيع ان تسيل السندات لديها ولو مقابل خسائر يعوض عنها انحسار الدور الاميركي في سن القوانين ووسائل التحقق من التحويلات التي تتركز في مؤسسة في بلجيكا يسيطر عليها الاميركيون.
يجب التذكير بان الصين، وروسيا تنتسبان الى اتفاق تكاملي مع الهند، والبرازيل وجنوب افريقيا، وهذه البلدان بالذات – وخاصة روسيا وجنوب افريقيا – تحتوي على ثروات الذهب الاساسية في العالم، كما ان عدد سكان هذه الدول يفوق نسبة 40% من سكان العالم، وروسيا تحتوي على اكبر بحيرة للماء في العالم تمتد على اكثر من 1000 كيلومتر وهي تحوز ثروات معدنية اساسية لصناعة الصواريخ وكانت حتى نهاية عام 2021 الولايات المتحدة تعتمد على توافر هذه المواد، واليوم تفتقدها.
هل بالغت الولايات المتحدة في تحدي روسيا والصين، والهند ام لا؟ وهل يدرك بايدن ان العالم اضعف بدون تفاعل هذه الدول مع بعضها ايجابيًا؟
الصينيون ادركوا ان السيطرة الاميركية على النظام النقدي العالمي سيؤدي الى اجراءات مضرة بنمو الصين وروسيا وحتى الهند، وبالتالي قرر الصينيون منذ سنوات ان عليهم تخفيض اهمية الدولار في تمويل التجارة العالمية، وهم اعتمدوا منذ 3 سنوات على السماح بتسديد مستوردات بلدان شرق اوسطية باليوان، وقد اصبح اليوان يمثل نسبة 16% من التبادل التجاري العالمي اي ما يقرب من نسبة الاتحاد الاوروبي والتي تبلغ 18%. ومعلوم ان الصين اكبر دولة مصدرة في العالم وتأتي بعدها المانيا التي كانت تحتل هذا الموقع حتى وقت قريب.
هل نحن على مقربة من ازمة للدولار؟ الجواب يرتهن بسياسات الولايات المتحدة، فان هي استمرت في اعتبار الاتحاد الاوروبي خاضع لقراراتها قد تواجه مفاجئة كبيرة في وقت قريب، والامل ان تؤخذ خطوات لايقاظ الادارة الاميركية بان روسيا، والصين، والهند وجنوب افريقيا والبرازيل يملكون اكثر من 60% من المعادن الثمينة وسكان هذه الدول يفوقون نسبة 40% من سكان العالم واهمال هذه المعطيات يضر بالاقتصاد العالمي وبموقع الولايات المتحدة.
The post بقلم مروان اسكندر – ماذا عن مصير الدولار؟ appeared first on جريدة الشرق اللبنانية الإلكترونيّة – El-Shark Lebanese Newspaper.