
مستقبل لبنان سياسياً مرتهن بقدرتنا على تجاوز افتراضين سيطرا على التفكير السياسي في منطقتنا.
أولاً، إن أقضية لبنان انتزعت من سوريا نتيجة اتفاقيات سايكس – بيكو المنجزة أصلاً عام 1916 والمكرسة في الاتفاقات الدولية عام 1920 في اجتماع لحلفاء الحرب العالمية الأولى مع الخاسرين وتكريس رسم خريطة مستقبل المنطقة.
البلدان العربية الشرق أوسطية كانت بالفعل تحت سيطرة الامبراطورية العثمانية وتشمل هذه المنطقة سوريا ولبنان والأردن والعراق وفلسطين. وحدها السعودية استطاعت المحافظة على استقلالها وتوحيد أجزائها بمساعٍ وتفهم من الملك عبد العزيز بن سعود الذي وحد المملكة عام 1926 وأبعدها عن طموحات البريطانيين والفرنسيين لتقسيم المنطقة.
ثانياً، احترفنا القول والالتزام بالعمل على تحرير فلسطين وتمادينا في هذا الموقف بحيث أصبح لبنان ولفترة من 1968 وحتى 1982 وبخاصة بعد اتفاق القاهرة بنهاية عام 1969 الذي تسبب في خسارة لبنان استقلاله وتكريس حقوق للمقاتلين الفلسطينيين على العمل الفدائي من لبنان، الأمر الذي استجر السيطرة السورية على الأرض منذ 1979 وحتى نيسان 2006.
منذ إنجاز اتفاق الطائف بمساعدة سعودية من قبل الملك فهد ورغم اشتمال الاتفاق على إلغاء الطائفية أصبحت الطائفية هي المقياس للتصرف السياسي، وتم تجميد العمل باتفاق الطائف، ولم يتوصل لبنان حتى بعد إلغاء اتفاق القاهرة إلى صيانة استقلاله من الضغوط السورية التي تستمر حتى تاريخه.
بالتالي، دعونا نقر أننا في مرحلة استعادة الدولة لسيادتها واعتبار اللبنانيين متساوين في الحقوق، وإذا لم نتمكن من ذلك سنخسر بالإضافة إلى نظامنا الاقتصادي الحر أي قدرة لاستعادة النمو واستقطاب الاستثمارات.
إضافة إلى كل ما نشهده في لبنان يصعقنا التصرف الفلسطيني، نعم نحن عانينا من وطأة ياسر عرفات وجماعته، وقرينته تنعم بثروة تقدر بـ6 مليارات دولار. هذه حصيلة الثورة الفلسطينية، وفي لبنان من يتمسك بتحرير القدس، من دون أي جهد لإنجاز هذا العمل بالتأكيد، ومشكلتنا الأساسية أصبحت أوضاع المخيمات الفلسطينية والسورية، ويبدو أن لبنان بين دول العالم هو ثاني دولة في تحمل أعباء المهجرين والمظلومين.
وبعد، نتساءل كيف لنا أن نحقق خطوات إلى الأمام وقد أفسدنا علاقاتنا بالعالم العربي الذي لم يتخل عن اللبنانيين كشعب بل عن طبقة حكامه والمتحكمين بشؤونه الأساسية، أي إقرار السياسات الاقتصادية والاجتماعية والوطنية.
نشهد اليوم محاولة من الرئيس نجيب ميقاتي على الاستفاقة من تحكم التيار الوطني الحر بوزارة الطاقة ولبضع سنوات أقل بوزارة الاتصالات، والتحكم بوزارة الطاقة أوجب تأمين دعم لها من خارج الميزانية بـ26 مليار دولار وخلال عشر سنوات أوجبت تشريعات لم تلحق بمشاريع الموازنات نفقات على مستوى 62 مليار دولار، رفعت الدين العام مع فوائده إلى مستوى 100 مليار دولار.
حكومة الرئيس ميقاتي تعتبر أن الخسارة التي تتوجب التعويض هي 75 ملياراً من الدولارات، وقد توصلت إلى هذا الرقم بحسابات خبرائها المتميزين بتحسس حاجات الحكم إلى مساواة الخسائر بودائع البنوك، وكان لهذه الحكومة طموح بتحميل المودعين وأصحاب المصارف ومصرف لبنان كامل الخسائر.
لحسن الحظ استفاق الرئيس ميقاتي على أن قواعد الحساب والمحاسبة والحكم الرشيد تستوجب تقييماً أكثر فائدة للبلد ويمكن أن يساهم عن طريق صندوق إنمائي في استعادة النمو، وربما – وليس ذلك في وقت قريب – استعادة القدرة على اجتذاب التزامات بتمويل مشاريع تنفيذها في يد الدولة، وهذا أمل لن يتحقق.
التصاريح التي نقرأها تفيد بأن الهيئات الدولية والإقليمية تنتظر انطلاق الاتفاق مع صندوق النقد الدولي لتؤمن مساهمات في إعادة إعمار لبنان، وهذا القول غير صحيح إطلاقاً والبرهان على ذلك، رفع مستوى المساعدات الأميركية من 100 مليون دولار إلى 300 مليون دولار مساعدة للجيش و150 مليون دولار مساعدة للجامعة الأميركية. ويمكن اضافة 250 مليون دولار مساعدات للمدارس والمؤسسات الاستشفائية من الفرنسيين، و150 مليون دولار متوقعة من الصندوق السعودي – الفرنسي، إضافة الى 60 مليون دولار أقرت أخيراً من قطر لمساعدة الجيش اللبناني.
هذه المبالغ تفوق في سنة ما هو منتظر من مساعدة صندوق النقد الدولي سنوياً.
المساعدات الدولية لا تنتظر قرار صندوق النقد الدولي، ونحن نرى فائدة كبيرة للبنان بالتركيز على مساعدات في تملك مؤسسات عامة تحظى بالربحية كطيران الشرق الأوسط والريجي، وإنجاز اتفاقات لتوسيع وتحسين مرفأ طرابلس والأرض المتاخمة له التي تعتبر مكباً، ويمكن أن تكون منطقة سكنية متطورة، وتشغيل مطار رينه معوض، وإعادة الاستثمار في المصافي، واستقطاب استثمار كبير في تملك الـ5 مصارف الكبرى التي تعاني من المصاعب الأساسية، وهذا الأمر ممكن شرط أن تكون هنالك قناعة.
لقد رددنا مراراً أن بنك الكريدي سويس أفلس عام 2008، وكذلك بنك الاتحاد السويسري والسيتي بنك في الولايات المتحدة وأكبر بنك في بريطانيا، وقد أنقذت هذه المصارف بتسهيلات جزيلة أصبحت تشكل اليوم مشكلة عالمية أساسية جرى بحثها في العاصمة البرتغالية أخيراً وحازت أربع مداخلات تهدف إلى تخفيف مديونية البنوك المركزية الأوروبية، والأميركية واليابانية على الأهمية… نعم جميع هذه البنوك وفرت تمويلاً سهلاً للشركات والمؤسسات وهمها اليوم المحافظة على مستويات العمل والحيلولة دون تردي أوضاع الاقتصاديات العالمية. وبالمناسبة نذكر أن بنك الكريدي سويس خسر عام 2021 في معاملات التجارة بالعملات والأسهم مبلغ 14 مليار دولار، وهذا المبلغ كافٍ لإعادة العافية للبنان واقتصاده إن كان له أن يتخلص من طبقة حكامه.
The post بقلم مروان اسكندر – حقائق يجب أن نواجهها appeared first on جريدة الشرق اللبنانية الإلكترونيّة – El-Shark Lebanese Newspaper.