
وهلّ نور شهر الأنوار مولد الرسول العربي الكريم “محمد” صلّ الله عليه وسلم، “نبي الرحمة”، و”مكارم الأخلاق”، و”التفكير والعلم”، و ”التسامح”.
قال الله تعالى: {وَإنّكَ لعلَى خُلقٍ عَظيمْ} [سورة القلم: ٤]..وقال عزّ وجلّ: {فِبمَا رَحْمةِ مِنَ اللّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظّاً غَلِيظَ القَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوّلِك} [سورة آل عمران: ١٥٩]..
وقال الله تعالى: {وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إلاّ رَحْمَةً لِّلْعَالَـمِينَ} [سورة الأنبياء: ١٠٧]..
وقال عزّ وجلّ: {اقْرأ باسْمِ ربّك الّذِي خَلَقَ * خَلَقَ الإنْسَان مِنْ عَلَقٍ * اقْرَأْ وَرَبُّكَ الأكْرَمُ * الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ * عَلَّمَ الإنْسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ} [سورة العلق: من ١ إلى ٥].
بعد غد يوم نؤكّد به ومعه على “منظومة القِيَم الأخلاقية” في المجتمع، لأنه مهما تغيّرت الأزمان والحضارات، فإنّ “القِيَم الأخلاقية” تظل “نقطة الإرتكاز” في مسيرة الأمم والشعوب، فبالتمسّك بها يكون التقدّم والرقي والصعود؛ وفي حال التنازل عنها والتفلّت منها يكون الإنهيار والسقوط.
ومجتمعاتنا اليوم من المفترض أن تتميّز بـ”منظومة” قِيَم سامية تستمد أصولها من “الوحي الشريف”، و”مكارم أخلاق النبي الكريم” بوصف الله تعالى له: {وإنّكَ لعلَى خُلقٍ عَظِيم}.. وهو القائل عن نفسه “إنما بُعِثتُ لأُتمّمَ مكارم الأخْلاقِ” -عن “أبي هريرة” في مسند “البزار”، مما يجعل هذه “المنظومة” بهذا “الوحي الشريف”، ومكارم أخلاق “النبي الكريم”، متينة تستجيب لحاجيات الزمان والمكان بعيدة عن نزوات وأهواء الناس.
إنّه يوم يَحثّنا لبناء إنسان يُحقّق الإستخلاف وعمارة الأرض بالتنمية والخير والصلاح، وبدرأ الشر والفساد بـ”الرحمة” يقول الله تعالى: {وما أرسلناك إلاّ رحمة للعالمين} [الأنبياء: ١٠٧]، وفي هذا السياق أشير إلى الحديث النبوي الشريف : “إنَمَا أنَا رَحّمَةٌ مُهْدَاةٌ” أخرجه “الدارمي” و”ابن أبي شيبة” بسند صحيح… وأشير أيضا الى الحديث الشريف: “قيل يا رسول الله ادْعُ على المشركين.. قال: إني لم أُبعث لعّاناً، وإنما بُعِثْتُ رَحْمَةً” عن “أبي هريرة” بصحيح مسلم.. ورحمة الرسول محمد صلّ الله عليه وسلم شملت الناس جميعًا كبيرًا وصغيرًا ويتيمًا وعدوًا.. وحيوانًا ونباتًا.
إنه يوم يحث للسعي لبناء مكارم الاخلاق ، ليحقّق الاستخلاف، ويسعى لـ”عمارة الأرض” بالتنمية والخير والصلاح، والرحمة، ويدرأ الفساد والشر: {إن الله لا يغيّر ما بقوم حتى يغيّر ما بأنفسهم} [الرعد: ١١]، وقوله تعالى: {ذلك بأن الله لم يَكُ مغيراًط نعمة أنعمها على قوم حتى يغيروا ما بأنفسهم وأن الله سميع عليم} [الأنفال: ٥٣] .
إنه يوم الاحتفال ب “العلم والمعرفة” والاستناد إلى “العقل” الذي هو نعمة من نِعَم الله تعالى على الإنسان، خليفة الله تعالى على الأرض، لذا اعتبر الفيلسوف الإسلامي “ابن رشد” [ ١١٩٨/١١٢٦] أن النظر العقلي في الموجودات “واجبًا شرعيًا”، كما اعتبر الفيلسوف الإسلامي العربي المصري “عباس محمود العقاد” [ ١٩٦٤/١٨٨٩] :”التفكير فريضة إسلامية”.
ولبيان مدى اعتناء الإسلام ببناء العقل السليم، وإطلاق الطاقات البشرية الكاملة لإعمار الكون بالتطوّر والرقي الحضاري، أشير إلى أن الوحي القرآني اهتم في أول ما نزل منه بلفت الأنظار والعقول إلى مفاتيح الحضارة قبل ان يتحدث عن أي شيء آخر يتعلق بالعقيدة، وأمور الآخرة.
فلقد حثّت الآيات الخمس الأولى من سورة “العلق” على القراءة مرتين على الإطلاق من دون التقيد بمقروء مخصوص، وذكرت مادة العلم على إطلاقه أيضًا ثلاث مرات، وأشادت بالقلم الذي هو وسيلة تدوين العلم، كما أشادت بالإنسان حامل هذا العلم، قال الله تعالى: {اقْرأ باسم ربّك الذي خلق * خلق الانسان من علق * اقْرأ وربّك الأكرم * الذي علم بالقلم * علم الإنسان ما لم يعلم} [العلق: ١-٥].
ويعتبر العالم الفقيه المصري الشيخ “محمد الغزالي”[ ١٩٩٦/١٩١٦]هذه الآيات الكريمة، إنها: “أول صيحة تسمو بقدر القلم، وتنوّه بقيمة العلم، وتٌعلن الحرب على الأمية الغافلة، وتجعل اللبنة الأولى في بناء كل إنسان عظيم أن يقرأ، وأن يتعلم”.
لذلك، فإنّ القرآن الكريم لم يذر وسيلة موُصلة إلى إنعاش العقل، وتحرير الفكر، إلاّ وحثّ عليها، فهو إذا تحاكم فإلى العقل، وإذا حاج فبحكم العقل، وإذا سخط فعلى معطلي العقل [ذوي “الأمية الفكرية”] ، وإذا رضي فعن أولي العقل [ذوي “الأصالة والمعاصرة”].
لذا، فهذا يوم فضيل، هو يوم يدفعنا كما في كل الأيام إلى ميدان “العمل الصالح” في أطراف الحياة جميعها..
فعلينا الاحتفال به بقلوب طيبة ناصعة، ونفوس لا يخالطها بغض ولا حسد ولا عداوة ولا بغضاء، إنما يجمعها حب وتكافل اجتماعي، ووحدة وطنية، حيث يجمعنا “الوطن الواحد” -الدين لله والوطن للجميع- وإن كنا متعددين في الدين، ولكننا متحدين في المواطنة.
إنه يوم يجمعنا – كما في يوم – معًاً لنواجه التحديات السياسية والاجتماعية والاقتصادية من حولنا “نكون أو لا نكون”.. وتحديات الجهالة والغلو، والأمية الفكرية، والتقليد الأعمى، والكذب الإجتماعي والسياسي ، إنه يوم نأخذه عبرة لكل يوم طوال أيام العام عبر الحلاوة الروحانية.
إنه يوم نؤكّد فيه على أن الدين الاسلامي هو دين السلام، وحضارة الإيمان، والعدل الشمولي في شتى مرافق الحياة، بتعاونه مع الآخر في اطار الإخاء والمساواة في الحقوق والواجبات، فالكل في “حق الحياة” الذي كفله الإيمان الاسلامي سواء في التأصيل الديموقراطي، وفي جميع مناشط الحياة.
والتمتع بحقوق الإنسان ، حيث لهذه الحقوق في الشريعة الاسلامية، طابع الضرورة المؤسس على العقيدة، أي طابع الإلتزام الناشئ بمحض الإيمان، وهو طابع يتركز على ضمان معنى الانسانية، الذي سيبقى قادرًا على التأثير في تطوير المبادئ القانونية التي تحكم حقوق الإنسان في المجتمع الإنساني العام ومنها: “حق الحياة -حق الإرادة للإنسان- حق حرية الإعتقاد- حق المساواة في الانسانية- حق العدل- حق حماية الاسرة”.
إنه يوم نؤكّد على أن الإسلام هو دين التسامح وقبول الآخر والحوار في إطار مناح العيش المشترك، وهو دين التعايش السلمي الإيجابي بين الأديان السماوية من أجل الاستقرار والأمن في هذا العالم الذي هو عالمنا جميعًا.
فنحن جميعًا في عالم “تقنية المعلومات”، او “القرية الكونية الواحدة”، نعيش في عالم تشابكت فيه المصالح، وتعقّدت فيه المشكلات التي يحشر فيها الدين في “إرهاب معَوْلم” لا دين له ولا وطن، على نحو لم يسبق له مثيل.
The post بقلم د. يحيى الكعكي – رمزية الإحتفال بذكرى المولد النبوي الشريف appeared first on جريدة الشرق اللبنانية الإلكترونيّة – El-Shark Lebanese Newspaper.