اعترافات امرأة غادرت أمريكا منذ 20 عامًا: “في المكسيك شعرت بالدفء والانتماء”
Spread the love

دبي، الإمارات العربية المتحدة (CNN) — كأمّ عزباء لثلاثة أطفال تعيش في كاليفورنيا، أنهكت الفواتير جانيت بليزر وقضّ مضجعها القلق، ولازمتها مشاعر بأنها “أقل من غيرها”.

لكنّ سلسلة من الأحداث دفعتها لأخذ إجازة بغية إجراء إعادة تقييم لحياتها، فقصدت مدينة مازاتلان بالمكسيك في أبريل/ نيسان 2005. 

بعد أقل من عام، انتقلت من سانتا كروز، كاليفورنيا، إلى المدينة النابضة بالحياة، الواقعة على الساحل الغربي للمكسيك، التي “أصبحت منزلي الآن”، وفق ما روت لـCNN.

من كاليفورنيا للمكسيك
تقول جانيت إنها أسعد بكثير في المكسيك حيث تمكنت من بناء حياة رائعة. Credit: Matt Mawson

فما الذي دفع بجانيت، التي تعود أصولها إلى لونغ آيلاند، بنيويورك، للابتعاد مئات الأميال عن مسقط رأسها ومكان إقامتها؟ تجيب: “كانت أمي مريضة وعلى فراش الموت أوصتني بمطاردة أحلامي”. 

كانت لتجربة والدتها أبعد الأثر في خيارها، لأنّ”الندم على ما لم تفعله وحلمت به رافقها” حتى وهي تحتضر. وهذا الأمر “حفر” في ذهنها.

وفي الوقت عينه تقريبًا، كانت جانيت، التي عملت كصحفية لسنوات، أمام مفترق طرق مهني وتشعر أنها بحاجة إلى “التفكير خارج الصندوق”. واعترفت في حديثها مع CNN بـ”أني كنت في الخمسين من عمري، ولم أكن الشخص الذي يريده الناس”. كان أطفالها كبروا في هذه المرحلة، وكانت تشعر بالإحباط لأنها لم تملك منزلها الخاص بعدما عاشت في كاليفورنيا نصف حياتها، وهذا الأمر لن تتمكن من تحقيقه، لأنّ “الأسعار لا تصدق”. 

لذا قرّرت جانيت السفر إلى مدينة مازاتلان التي لم يسبق لها أن زارتها، بعدما قرأت عنها عبر الإنترنت. والمفارقة أنها زارت المكسيك مرة واحد فقط بالسابق، في حين أنها على مرّ السنين قصدت الكاريبي في العطل.

قصدت المكسيك ووصلت إلى مازاتلان التي “لمست قلبي” بعدما قضت أيامًا عدة تستمع بأشعة الشمس، وجالت في المركز التاريخي وشوارع المدينة المبلطة ومبانيها القديمة “فوقعت بحب المنطقة.. شعرت وكأني في منزلي”. 

رغم أنّ فكرة الانتقال إلى المكسيك لم تتبادر إلى ذهنها قبل ذلك، قررت جانيت بعد 10 أيام في مازاتلان أن هذا هو المكان الذي يجب أن تكون فيه.

الانتقال الكبير

من كاليفورنيا للمكسيك
في الصورة، جانيت مع اثنين من أطفالها. تقول إن عائلتها كانت داعمة جدًا لقرارها بالانتقال. Credit: Courtesy Janet Blaser

كانت جانيت ما برحت في حاجة إلى العمل، ففكّرت بـ”نشر مجلة باللغة الإنجليزية للعديد من الأمريكيين والكنديين الذين يعيشون في مازاتلان أو يزورونها”، مضيفة أنّها “كانت تلك لحظة الإدراك الكبيرة بالنسبة لي”. 

بعد عودتها إلى سانتا كروز، بدأت جانيت في البحث “الجدي” عن مازاتلان لترى مدى إمكانية انتقالها إلى المدينة وإنساء عمل هناك. وبعد ستة أشهر، زارت المدينة مجددًا حيث بقيت لمدة شهر حتى تتآلف مع المكان وتكتشفه قبل اتخاذ القرار النهائي.

وبعد تأكدها من أن “كل شيء يبدو قابلاً للتنفيذ”، عادت جانيت إلى أمريكا لتبدأ عملية الانتقال، مضيفة: “كان جميع أطفالي داعمين جدًا لي”.

في يناير/ كانون الثاني 2006، انطلقت جانيت في رحلة برية استمرت أربعة أيام إلى مازاتلان، محملة ممتلكاتها في “سيارتها الصغيرة”.

من كاليفورنيا للمكسيك
وقعت جانيت في حب مازاتلان بعد زيارتها للمدينة في العام 2005، وشعرت أنها المكان الذي كان يُفترض أن تكون فيه. Credit: Janet Blaser

ساعدتها تكاليف المعيشة المنخفضة أيضًا في سنواتها الأولى حيث أن إيجارها كان دون 250 دولارًا شهريًا في سنواتها الأولى بالبلاد، بينما كانت فواتير هاتفها المحمول والمرافق أيضًا أدنى بكثير مما كانت تدفعه في الولايات المتحدة. وتعلّق: “هذا أحدث فرقًا كبيرًا في مستوى التوتر لدي”. 

ورغم أن حياتها كانت أكثر وفرة، تؤكد جانيت أنها كانت تمر أحيانًا بصعوبات وغالبًا ما شعرت بالوحدة.

فهي تعترف بأنّ “الأمر لم يكن سهلًا”، فالاتصال بالإنترنت في المنزل لم يكن بسيطًا كما هي الحال الآن، وهاتفها المحمول لم يعمل في المكسيك بداية، ما جعلها غير قادرة على التواصل مع عائلتها بانتظام لفترة من الوقت.

كما اكتشفت جانيت أن لغتها الإسبانية لم تكن جيدة كما ظنّت، لكنّ الأمر تحسّن مع الوقت وامتلكت اللغة حد أنها باتت قادرة على سرد النكت التي برأيها تكسر الجليد وتمنحك شعورًا بالراحة.  

رغم أن جانيت أحبّت أسلوب الحياة في مازاتلان، لكنّ الأمر استغرق منها “حوالي سنتين إلى ثلاث سنوات” كي تندمج كليًا.

في البداية، وجدت بعض الفروق الثقافية، مثل أنماط الملابس، خصوصًا بالنسبة للنساء. كما تبين لها أن العلاقات العاطفية في المكسيك “مختلفة تمامًا”، فهي لم تعتد ديناميكيات العلاقات هذه. وتؤكد جانيت أنها تعلمت أن تتوقف عن القلق بشأن الوقت كثيرًا، ولم تعد تشعر بالذعر إذا تأخرت، لأن “الأمر ليس مشكلة كبيرة” هناك، لافتةً إلى مقولة مفادها “غدًا’ لا يعني الغد. إنه مجرد اقتراح”. 

خلال عامين من وصولها، نشرت جانيت العدد الأول من مجلتها، التي استهدفت الأجانب المقيمين في المنطقة، وأطلقت أول سوق للمزارعين العضويين في المدينة الذي ما زال مستمرًا. والأهم من ذلك، شعرت أنها أكثر سعادة وقيمة، و”أعطيت نفسي حياة رائعة”.

وأوضحت: “لا أريد أن أقول إنني كنت مكتئبة في سانتا كروز، لكنني كنت أشعر بالتوتر بشأن الحصول على عمل والقدرة على دفع الفواتير”. 

تمكنت جانيت من الحصول على تأشيرة إقامة دائمة، المعروفة باسم FM 3 في ذلك الوقت، بسهولة نسبية.

ولفتت إلى أن عملية ومتطلبات التأشيرة تغيرت بشكل كبير عمّا كانت عليه قبل 19 عامًا. الآن، المتطلبات المالية أعلى بكثير ممّا كانت عليه”.

وعند تأملها في سنواتها الأخيرة بكاليفورنيا، تعرب جانيت عن مشاعر الضغط الكبير التي كانت تشعر به بسبب “الاستهلاكية التي تشكل جزءًا كبيرًا من الثقافة الأمريكية”، إلى القلق بشأن أشياء مثل عدم امتلاك سيارة جديدة، مشيرة إلى أنها “في الولايات المتحدة، لطالما شعرت بأنها لا تملك ما يكفي وأنها لن تنجح، بخلاف الواقع المعيشي الذي تختبره هنا.

تزور جانيت أمريكا بانتظام لرؤية أطفالها وأحفادها، لكنها تعترف بأنها تشعر بـ”القلق” هناك الآن.

اتخاذ الاحتياطات

من كاليفورنيا للمكسيك
تقول جانيت عن المدينة المكسيكية الساحلية التي أصبحت الآن “بيتها”: “هنا يوجد قلب ما زال ينبض”. Credit: Janet Blaser

تقول جانيت: “حفيداتي لديهنّ تدريبات على إطلاق النار في مدرستهنّ الابتدائية.. لا أعرف حتى كيف أوصّف ذلك”. 

تحذّر وزارة الخارجية الأمريكية حاليًا من السفر إلى ست من ولايات المكسيك الـ32، بسبب الجريمة والخطف في العديد من الحالات. ورغم أنها على دراية بمشاكل الجريمة في البلاد، تقول جانيت إنها لطالما شعرت بالأمان هناك، وتتخذ “الاحتياطات الطبيعية لامرأة عزباء تعيش في ولاية كبيرة”. 

تلفت إلى أن “الناس هنا لا يريدون امتلاك الأسلحة. وهذه ذهنية مختلفة تمامًا عن تلك الموجودة في أمريكا”. وتتابع: “لا أقلق عندما أذهب إلى وولمارت من أن أحدًا سيطلق النار عليّ، أو إلى مهرجان في الشارع من أن أحدهم سيصدم الناس بسيارة”.. فيما هذه الأمور تثير قلقها بأمريكا. 

تعترف جانيت بأنها تفتقد لعائلتها وتود أن تتمكن من قضاء وقت أطول في الولايات المتحدة.

وتقول: “في عالمي المثالي، التزمت بقاعدة في مازاتلان بزيارة كل من أطفالي الثلاثة بأمريكا لمدة شهر أو نحو ذلك سنويًا”. كما أنها متحمسة أيضًا لقضاء المزيد من الوقت في إيطاليا، بعد عطلة حديثة في هذا البلد الأوروبي.

نشرت جانيت كتابها الأول “لماذا رحلنا: مختارات من نساء أمريكيات مهاجرات” في العام 2019، وهي تعمل حاليًا على سلسلة حول الأمريكيين الذين يعيشون في دول أخرى.

وعندما سُئلت عن تأثير العدد المتزايد من الأجانب الذين توافدوا إلى المكسيك في السنوات الأخيرة، ردّت جانت الأمر إلى أنّ أسعار العقارات في البلاد ربما ارتفعت، لافتة إلى أنه “سواء أحببنا ذلك أم لا، نحن نوعًا ما سياح ممجدين، ووجودنا يؤثر على نمط الحياة المحلي بطرق إيجابية وسلبية على حد سواء”. 

وخلصت إلى أنه “لا وجود لمكان مثالي، لكن مازاتلان رغم النمو العمراني الذي أصابها تملك هذا القلب”، مضيفة “إنهم يسمونها ‘كورازون’ (القلب بالإسبانية). تشعر بالدفء هنا والانتماء للمجتمع. وهذا هو ما جذبني إليها بداية.. هنا يوجد قلب ما زال ينبض، حتى وسط كل هذا التطوير”. 

التاريخ

عن الكاتب

المزيد من
المقالات